NESWANGY

سجل عضوية او سجل الدخول للتصفح من دون إعلانات

سجل الان!

عربية فصحى لقاء بعد المطر - عشرة أجزاء 23/11/2025 ( المشاهدين 2)

الفحل العاشق

فحل Algerian
نسوانجى بريمو
عضو
إنضم
24 مايو 2025
المشاركات
167
التعليقات المُبرزة
0
مستوى التفاعل
673
نقاط
15,614
كانت السماء رمادية كأنها تفكر بالبكاء، والمدينة تستعد لاستقبال أول مطر في الخريف.
سارت "ليلى" بخطوات بطيئة بين الأرصفة المبللة، تحمل فنجان قهوة وتحدّث نفسها:

"كل شيء تغيّر... إلا هذا الشارع الذي ما زال يحتفظ برائحته، برائحته هو."


قبل خمس سنوات، كانت تأتي إلى نفس المقهى كل مساء، تجلس قرب النافذة تنتظره. كان "آدم" يحب التأخر، فقط ليراها تبحث عنه بعينيها بين الوجوه. كان يقول لها ضاحكًا:

"أجمل شيء في الانتظار... هو أنني أعرف أنك تنتظرينني."



لكن ذلك المساء الأخير لم يكن كغيره. جاء صامتًا، نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ خافت:

"سأسافر... قد يطول الغياب، وربما لا أعود."



لم تسأله إلى أين، ولم تودّعه كما يجب. اكتفت بابتسامةٍ مرتجفة، كمن يخاف أن ينكسر إن نطق بكلمة واحدة.

ومنذ ذلك اليوم، لم تره.

لكن هذا المساء، بينما جلست في نفس المقهى الذي اعتاداه، سمعت صوتًا مألوفًا يسأل النادل:

"هل الطاولة بجانب النافذة ما زالت محجوزة؟"



رفعت رأسها بسرعة. كان هو.
آدم، بشعرٍ غطّاه المطر وابتسامةٍ خجولة كأنها قادمة من الماضي.
اقترب منها ببطء، وضع مظلته، وجلس في المقعد المقابل تمامًا كما كان يفعل.

صمت طويل بينهما، لا يقطعه إلا صوت المطر.
قالت بصوتٍ مبحوح:

"ظننتك لن تعود."

أجاب بابتسامةٍ حزينة:

"عدتُ لأنني أدركت أنني لم أغادر يومًا، تركتُ قلبي هنا."



أغمضت عينيها للحظة، فمرت في ذهنها كل اللحظات القديمة — ضحكاته، جدالهما حول الأشياء الصغيرة، ويداه حين كانا يمسكان يدها فوق الطاولة في منتصف الشتاء.

قالت له بهدوء:

"خمسة أعوام يا آدم… هل تعلم كم مرة كنتُ أراك في وجوه الغرباء؟"

ضحك بخفة وقال:

"وأنا… كنت أسمع صوتك في كل أغنية حزينة."

مدّ يده نحوها ببطء، ترددت للحظة، ثم وضعت يدها فوق يده. لم تعد هناك حاجة للكلمات.
خارج المقهى، المطر يزداد غزارة، والمدينة تلمع تحت الأضواء.
أما هما، فجلسا يراقبان الشارع من خلف الزجاج، كأن الزمن عاد إلى الوراء، إلى اللحظة التي لم تنتهِ يومًا.

قال لها وهو ينظر إليها بصدق:

"أحيانًا يحتاج الحب أن يضيع قليلاً… ليعود أنضج، أصدق، وأجمل."

ابتسمت، ونظرت إليه بعينيها اللتين احتفظتا بالحب كما كان.
في تلك اللحظة، لم تعد تخاف من الغياب، لأن اللقاء هذه المرة لم يكن مصادفة…
بل قدرًا تأخر قليلاً، فقط ليتأكد أن القلوب ما زالت تعرف طريقها إلى بعضها.
الجزء الثاني



مرّت أسابيع منذ ذلك اللقاء، والمطر ما زال يزور المدينة بين حين وآخر، كأنه يذكّرهما باليوم الذي جمعهما من جديد.

صارا يلتقيان كل مساء في المقهى نفسه، يجلسان في الزاوية القديمة، يحكيان عن كل ما فاتهما من العمر… عن المدن التي مرّ بها، وعن السنوات التي نامت في قلبها بانتظاره.



قالت له ذات مساء:



"أتدري؟ كنت أعيش بين الناس، أضحك وأتظاهر أنني بخير، لكن داخلي كان فارغًا من كل شيء إلاك."







ابتسم آدم وقال بهدوء:



"وأنا كنت أتنقّل بين المدن، أبحث عن حلمٍ جديد، لكن كل الأحلام كانت تشبهك وتنتهي عندك."







مرت لحظة صمتٍ جميلة، كأنهما يخافان أن يتكلما فيوقظا شيئًا نائمًا في قلبيهما.



وفي يومٍ آخر، أخذها آدم في نزهة إلى الحديقة التي كانت تحبها. الأشجار تغيّرت، لكن المقاعد بقيت كما هي. جلسا معًا، وناولها وردةً حمراء، وقال:



"خمس سنوات كانت كافية لأتعلم أن الحب لا يُنسى، وأن القلب حين يحبّ مرةً بصدق، لا يغيّر نبضه مهما طال الغياب."







نظرت إليه والدموع في عينيها:



"وأنا انتظرتك دون أن أعرف إن كنت ستعود… كنت فقط أؤمن أن الحب الحقيقي لا يخذلنا."







مرت الأيام بين لقاءات دافئة ورسائل قصيرة في منتصف الليل، حتى ظنّا أن الماضي انتهى، وأن ما تبقى لهما هو بداية جديدة.

لكن القدر كان يخبّئ لهما امتحانًا أخيرًا.



في مساءٍ شتوي، تلقّت ليلى رسالة منه:



"يجب أن أسافر غدًا… أمر طارئ، لا أعرف متى أعود."







تجمّد كل شيء في عينيها. ذاك الخوف القديم عاد من جديد — الخوف من الغياب، من الانتظار، من أن تفقده مرة أخرى.

ذهبت إلى المطار في اليوم التالي دون أن تخبره. رأته من بعيد، يحمل حقيبته ويمشي نحو البوابة. ركضت نحوه، والمطر يتساقط بشدة.



نادت باسمه بصوتٍ مرتجف:



"آدم!"







استدار، كانت واقفة تحت المطر، شعرها مبتل ويديها ترتجفان. اقترب منها بخطواتٍ سريعة.

قالت له وهي تبكي:



"لا أريد أن أعيش فصلاً آخر من الغياب… إن كنت سترحل، فخذني معك."







نظر إليها طويلاً، ثم مسح دموعها وقال:



"هذه المرة، لن أتركك، حتى لو أخذتني الدنيا كلّها."







ضمّها إليه وسط المطر، والناس من حولهما يركضون بحثًا عن مظلاتهم.

أما هما، فكانا قد وجدا مظلتهما الحقيقية في حضن بعضهما.



ومنذ ذلك اليوم، لم تفترق خطواتهما.

صار المقهى بيتهما الصغير، والمدينة شاهدة على حبٍ تأخر ليأتي في أجمل وقت.

لم يعدا يخافان الفصول… لأنهما تعلّما أن الحب الحقيقي لا يعرف الشتاء، ولا يشيخ مهما طال العمر.

--------------------------------------------------------
الجزء الثاني

مرّت أسابيع منذ ذلك اللقاء، والمطر ما زال يزور المدينة بين حين وآخر، كأنه يذكّرهما باليوم الذي جمعهما من جديد.
صارا يلتقيان كل مساء في المقهى نفسه، يجلسان في الزاوية القديمة، يحكيان عن كل ما فاتهما من العمر… عن المدن التي مرّ بها، وعن السنوات التي نامت في قلبها بانتظاره.

قالت له ذات مساء:

"أتدري؟ كنت أعيش بين الناس، أضحك وأتظاهر أنني بخير، لكن داخلي كان فارغًا من كل شيء إلاك."



ابتسم آدم وقال بهدوء:

"وأنا كنت أتنقّل بين المدن، أبحث عن حلمٍ جديد، لكن كل الأحلام كانت تشبهك وتنتهي عندك."



مرت لحظة صمتٍ جميلة، كأنهما يخافان أن يتكلما فيوقظا شيئًا نائمًا في قلبيهما.

وفي يومٍ آخر، أخذها آدم في نزهة إلى الحديقة التي كانت تحبها. الأشجار تغيّرت، لكن المقاعد بقيت كما هي. جلسا معًا، وناولها وردةً حمراء، وقال:

"خمس سنوات كانت كافية لأتعلم أن الحب لا يُنسى، وأن القلب حين يحبّ مرةً بصدق، لا يغيّر نبضه مهما طال الغياب."



نظرت إليه والدموع في عينيها:

"وأنا انتظرتك دون أن أعرف إن كنت ستعود… كنت فقط أؤمن أن الحب الحقيقي لا يخذلنا."



مرت الأيام بين لقاءات دافئة ورسائل قصيرة في منتصف الليل، حتى ظنّا أن الماضي انتهى، وأن ما تبقى لهما هو بداية جديدة.
لكن القدر كان يخبّئ لهما امتحانًا أخيرًا.

في مساءٍ شتوي، تلقّت ليلى رسالة منه:

"يجب أن أسافر غدًا… أمر طارئ، لا أعرف متى أعود."



تجمّد كل شيء في عينيها. ذاك الخوف القديم عاد من جديد — الخوف من الغياب، من الانتظار، من أن تفقده مرة أخرى.
ذهبت إلى المطار في اليوم التالي دون أن تخبره. رأته من بعيد، يحمل حقيبته ويمشي نحو البوابة. ركضت نحوه، والمطر يتساقط بشدة.

نادت باسمه بصوتٍ مرتجف:




استدار، كانت واقفة تحت المطر، شعرها مبتل ويديها ترتجفان. اقترب منها بخطواتٍ سريعة.
قالت له وهي تبكي:

"لا أريد أن أعيش فصلاً آخر من الغياب… إن كنت سترحل، فخذني معك."



نظر إليها طويلاً، ثم مسح دموعها وقال:

"هذه المرة، لن أتركك، حتى لو أخذتني الدنيا كلّها."



ضمّها إليه وسط المطر، والناس من حولهما يركضون بحثًا عن مظلاتهم.
أما هما، فكانا قد وجدا مظلتهما الحقيقية في حضن بعضهما.

ومنذ ذلك اليوم، لم تفترق خطواتهما.
صار المقهى بيتهما الصغير، والمدينة شاهدة على حبٍ تأخر ليأتي في أجمل وقت.
لم يعدا يخافان الفصول… لأنهما تعلّما أن الحب الحقيقي لا يعرف الشتاء، ولا يشيخ مهما طال العمر.
--------------------------------------------------------
الجزء الثالث

مرت شهور على لقائهما الأخير في المطار.
الآن، يعيش آدم وليلى في شقة صغيرة تطل على البحر. صباحهما يبدأ برائحة القهوة، وصوت الأمواج وهي تهمس للنوافذ.
كانت الحياة تبدو هادئة، لكن الهدوء لا يعني أن القلوب خالية من الأسئلة.

كانت ليلى تعمل في مكتبة صغيرة قرب الميناء، بينما بدأ آدم مشروعه الخاص في التصوير الفوتوغرافي.
كانا يلتقيان كل مساء، يجلسان على الشرفة يتحدثان عن أحلامهما المؤجلة.
إلا أن الحياة، كعادتها، بدأت تختبر صدق وعمق حبهما.

في إحدى الليالي، عاد آدم متعبًا، جلس بصمت، بينما لاحظت ليلى أنه تغيّر مؤخرًا — أقل كلامًا، أكثر شرودًا.
اقتربت منه وسألته برقة:

"فيه شي مضايقك؟ صاير تسرح كثير."

ابتسم بصعوبة وقال:

"مش مضايق… بس خايف، يمكن من الفشل، من أني ما أقدر أوفّي بوعدي ليك."

نظرت إليه بثقة وقالت:

"أنا ما اخترتك عشان تنجح، اخترتك لأنك كنت صادق… والباقي نقدر نبنيه سوا."



كلماتها تلك كانت كدفءٍ وسط عاصفة. لكن الخوف في داخله لم يختفِ.
بدأ يقضي وقتًا أطول في العمل، يسافر أحيانًا لالتقاط الصور في مدن بعيدة.
أما هي، فكانت تخفي قلقها في كلماتٍ قصيرة: "دير بالك على روحك"، "اشتقت"، "ما تتأخرش".

وفي ليلة ممطرة أخرى، كما في بداياتهما دائمًا، عاد آدم ليجدها نائمة على الأريكة، تنتظر عودته.
اقترب منها، وضع معطفه على كتفيها، وجلس يتأمل وجهها الهادئ. همس لنفسه:

"كم مرة لازم أغيب لأفهم أن البيت هو هذا الوجه؟"



وفي الصباح، استيقظت لتجد رسالة صغيرة على الطاولة:

"اليوم قررت أبدأ من جديد… مش وحدي، معاك."
خرجت إلى الشرفة، فوجدته هناك، يبتسم وهو يحمل حقيبته الصغيرة.
قال لها وهو يمد يده:

"تعالي معايا نصوّر العالم سوا، نكتب حكايتنا بالصوَر بدل الكلمات."

ضحكت ليلى والدموع في عينيها، ثم أمسكت يده.
لم تكن تعرف إلى أين سيسافران، لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:
أن الحب، حين يُعاش بصدق، يصبح وطنًا أينما ذهبت.
--------------------------------------------------------
الجزء الرابع

غادرا المدينة عند شروق الشمس، والبحر خلفهما يلوّح بوداعٍ صامت.
كانت ليلى تجلس بجانب النافذة في القطار، تحدّق في المدى البعيد، بينما يمسك آدم بيدها دون أن يتكلم.
كانت تلك أول مرة يسافران فيها معًا، بلا خطط، بلا وجهة محددة، فقط قلبان يتبعان ما يشعران به.

توقف القطار في مدينة صغيرة على الساحل، اسمها “نوران”. مدينة هادئة، منسية بين الجبال والبحر، كأنها تنتظر قصة لتحيا من جديد.
استأجرا غرفة بسيطة في نُزل قديم مطل على المرفأ، الجدران مائلة قليلاً، لكن النوافذ كانت تفتح على أجمل منظر للشمس وهي تذوب في الأفق.

قالت ليلى وهي تضحك:

"كأن المكان كتب لنا."



رد آدم مبتسمًا:

"بل نحن من كتبناه قبل أن نصل."



قضيا الأيام الأولى في التجوال بين الشوارع الضيقة، المقاهي الصغيرة، والأسواق القديمة.
كان آدم يلتقط الصور، بينما ليلى تجمع القصص من وجوه الناس — بائعة الورد التي فقدت حبيبها، الصياد العجوز الذي يحدّث البحر كصديق قديم، والطفل الذي يبيع الأصداف ليشتري كتب المدرسة.

في إحدى الأمسيات، عند الميناء، جلسا يشاهدان الغروب.
قالت له بهدوء:

"تعرف يا آدم؟ لما شفت صورك القديمة، حسّيت أنك كنت تحاول تلتقط شيئًا ضاع منك."



نظر إليها طويلاً وقال:

"كنت أحاول أحتفظ باللحظات، لأن الناس بيروحوا… والصور تبقى."



ثم أضاف بعد لحظة صمت:

"لكن من وقت ما رجعت لحياتي، بطّلت أصوّر عشان أحتفظ… صرت أصوّر عشان أعيش."



ابتسمت ليلى، لكنها لم تعلم أن شيئًا كان ينتظرها.
في اليوم التالي، وبينما كان آدم يصوّر على الشاطئ، اقتربت منه امرأة غريبة، في الأربعين تقريبًا، تبدو كمن يعرفه منذ زمن.
همست له بشيء جعل ملامحه تتجمّد.
سقطت الكاميرا من يده، وبدا عليه الذهول.

حين عادت ليلى وسألته:

"مين كانت؟"



ردّ بسرعة:

"ولا شيء… مجرد سائحة."



لكن صوته لم يكن كما اعتادت. كان فيه ارتباك، وشيء يشبه الخوف.

تلك الليلة، لم تنم ليلى. كانت تشعر أن هناك شيئًا يُخفيه عنها، شيئًا من ماضيه عاد فجأة ليطرق الباب.
وفي الصباح، استيقظت لتجد على الطاولة ظرفًا صغيرًا، بداخله صورة قديمة — صورة لآدم شابًا… يقف بجانب تلك المرأة نفسها.
--------------------------------------------------------
الجزء الخامس

كانت ليلى تنظر إلى الصورة ويدها ترتجف.
فيها يقف آدم بجانب المرأة الغريبة، يبتسم بطريقة لم ترها من قبل — ابتسامة مختلفة، مزيج من الراحة والحنين.
في الخلفية، لافتة مكتوب عليها “مركز الفن الحديث – مرسيليا”.
أيّ فن؟ وأيّ قصة كانت قبلي؟

حين عاد آدم في المساء، وجدها جالسة قرب النافذة، الصورة بين يديها.
لم تتكلم، فقط نظرت إليه بنظرةٍ حملت كل الأسئلة التي لا تُقال.

اقترب ببطء، جلس أمامها، تنفّس طويلاً وقال:

"كنت عارف إن اليوم ده هييجي."



قالت بصوتٍ منخفض:

"مين هي؟"



تردّد، ثم قال:

"اسمها نادين… كانت زميلة في فرنسا، اشتغلنا مع بعض على معرض تصوير، وبصراحة… كانت أكتر من مجرد زميلة."



سكتت ليلى لحظة، تحاول أن تثبت ملامحها، لكن قلبها كان يرتجف من الداخل.

"أكتر من زميلة؟ يعني كنتو… بتحبوا بعض؟"



نظر إليها بعينين صادقتين وقال:

"زمان، كنت أظن إني بحبها. بس هي كانت مرحلة ضايعة في حياتي… كنت تايه، أدور على نفسي في وجوه الناس. ولما رجعت لبلادي، قطعت كل شيء معاها."



ثم أضاف:

"ما كنتش متوقع أشوفها هنا، ولا حتى أسمع اسمها."



لكن ليلى، رغم صدقه، شعرت أن هناك شيئًا لم يقله بعد.
قالت بخفوت:

"طيب ليه ما قلتليش من الأول؟"



أطرق رأسه:

"لأن الماضي أحيانًا مؤلم لدرجة نخاف نحكيه… كنت خايف أخسرك بسبب حاجة انتهت من سنين."



رفعت رأسها إليه وقالت بنبرة مكسورة:

"ما بيخوفنيش ماضيك، اللي بيخوفني هو سكوتك."



خرجت من الغرفة وذهبت إلى الشاطئ، والمطر بدأ يهطل بخفة. جلست هناك طويلاً، تفكر.
كانت تحبه، بكل ما فيه، لكنها لم تعرف إن كانت قادرة على مشاركة قلبه مع ظلّ قديم.

وفي المساء، عاد إليها، يحمل في يده كاميرته القديمة.
جلس بجانبها وقال:

"تعرفي إيه أكتر حاجة علمتني إياها نادين؟ إن الصورة ممكن تخدع… بس النظرة لا. وكنت بشوف الحقيقة في نظرتك، ليلى. عشان كده رجعت."



نظرت إليه بصمت طويل، ثم قالت:

"أنا مش هسألك تاني، بس وعدني إنك المرة الجاية لما تخاف… ما تسكتش."



هزّ رأسه، ومد يده إليها، فوضعت يدها فوق يده.
لم تتكلم بعد ذلك، لكن المطر الذي كان يبلل وجهيهما، بدا وكأنه يغسل ما تبقى من الغضب بينهما.

وفي تلك الليلة، حين عاد إلى النُزل، وجد رسالة على هاتفه من رقمٍ مجهول:

"ما كنتش مفروض تخبي عني مكانك يا آدم… إحنا لازم نتكلم."
--------------------------------------------------------
الجزء السادس

جلس آدم على حافة السرير والهاتف في يده، يحدّق في الرسالة وكأنها طلقة خرجت من ماضيه لتصيب قلبه من جديد.
قرأ الكلمات أكثر من مرة:

"ما كنتش مفروض تخبي عني مكانك يا آدم… إحنا لازم نتكلم."



أطفأ شاشة الهاتف بسرعة، لكنه لم يستطع أن يطفئ القلق في داخله.
كان يعرف هذا الأسلوب في الكتابة… يعرف الهدوء الذي يسبق عاصفة اسمها نادين.

في الصباح، حاول أن يتصرف بشكل طبيعي. أعدّ القهوة، أيقظ ليلى بابتسامة مصطنعة، وحكى لها عن فكرة جديدة لمعرض الصور.
لكن ليلى، بعين أنثى تعرف التفاصيل، شعرت بأن شيئًا في نبرته تغيّر.

سألته فجأة:

"فيه حاجة مضايقاك؟"



أجاب بسرعة:

"لا، بالعكس… كنت بفكر في صور المعرض."



ابتسمت رغم شكّها، وقالت له:

"بس وعد، ما ترجعش تخبي حاجة تاني، حتى لو بسيطة."



أومأ برأسه، لكنه في داخله كان يعلم أنه يخفي عاصفة.

في المساء، وبينما كانت ليلى تستحم، جلس في الشرفة يراجع بريده الإلكتروني، فوجد رسالة جديدة من نادين:

"أنا في نوران، نفس المدينة. محتاجة أشوفك مرة واحدة… ما تقلقش، مش عايزة أرجّع الماضي، بس في حاجة تخصّك لازم تعرفها."



قرأها أكثر من مرة، وقلبه يدقّ بسرعة. لم يدرِ إن كان عليه أن يرد أم لا، لكنه كتب في النهاية:

"ممكن نتكلم بكرة، في الميناء القديم."



أغلق الحاسوب بسرعة عندما سمع صوت ليلى قادمًا من الغرفة:

"آدم، هتنام بدري النهارده؟"



التفت إليها، ابتسم بصعوبة، وقال:

"لسه شوية، عندي شغل بسيط."



لكن تلك الليلة لم ينم فيها أحد منهما بطمأنينة.

وفي صباح اليوم التالي، خرج آدم من الفندق قبل شروق الشمس، متجهًا نحو الميناء.
كانت نادين تقف هناك بالفعل، ترتدي معطفًا رماديًا وتحمل مظلة سوداء.
حين رآها، عاد به الزمن للحظة لم يكن يريدها.

قالت وهي تبتسم بمرارة:

"ما كنتش أتخيل إنك لسه بتتهرّب مني بنفس الطريقة."



تجنّب النظر في عينيها وقال:

"نادين… خلينا نخلّص بسرعة. إيه اللي جابك بعد كل السنين دي؟"



اقتربت منه خطوة وقالت:

"مش أنا اللي رجعت… هو اللي رجّعني. تفتكر الصورة اللي اتنشرت قبل أسبوع؟ صورتك في المجلة؟ كان فيها حاجة تهمني جداً."



تجمد في مكانه وسألها:

"إيه قصدك؟"



ابتسمت بخفوت وقالت:

"في الصورة، كان في وشّ *** صغير… *** ليه نفس عينيك يا آدم."
--------------------------------------------------------
الجزء السابع

وقف آدم متجمّدًا أمام كلمات نادين، كأنها رصاصة دخلت صمته.

كررها بصوتٍ متحشرج، وكأنه لا يصدق أذنيه.



ابتسمت نادين ببرودٍ غريب وقالت:

"أيوه، ***… اسمه ياسين. عمره أربع سنين، وبيسألني كل يوم عن أبوه."



تراجع خطوة إلى الوراء، العرق يتصبب من جبينه رغم برودة الصباح.

"نادين، إنتي بتقولي إيه؟! إحنا انفصلنا قبل خمس سنين، ومفيش أي دليل إن—"



قاطعته بهدوء قاتل:

"مش بدوّر على دليل يا آدم، بدوّر على ضمير."



سكت طويلاً. لم يكن يدري إن كانت تقول الحقيقة أم تحاول فقط أن تفتح جرحًا قديمًا.
تذكّر ليلى في تلك اللحظة — وجهها، صوتها، نظرتها الصافية التي لا تعرف الخداع.
كيف سيواجهها لو كان ما سمعه صحيحًا؟ وكيف سيكمل حياته لو لم يكن كذلك؟

قال بصوتٍ متعب:

"عايزة إيه مني دلوقتي؟"



أجابته:

"بس تشوفه… ولو مرة واحدة."



تركها واقفة في الميناء ورحل، يمشي بلا اتجاه.
ظلّ يسير حتى وصل إلى الشاطئ، جلس على صخرة مطلّة على البحر، ورأسه بين يديه.
كل ما بناه مع ليلى، كل الإيمان، الثقة، السلام… بدا كأنه يتداعى أمام كلمة واحدة: ***.

في المساء، عاد متأخرًا إلى النُزل.
ليلى كانت تنتظره في الغرفة، ملامحها قلقة لكنها حاولت أن تخفي ذلك بابتسامة دافئة:

"اتأخرت النهارده… كنت فين؟"



ردّ وهو يخلع معطفه:

"كنت على البحر… أصوّر."



اقتربت منه، وضعت يدها على كتفه وقالت برقة:

"آدم، أنا بحسّك بتبعد عني يوم بعد يوم، ومش عارفة ليه."



أمسك بيدها وقال بصوتٍ خافت:

"في حاجات يا ليلى، لو قلتها هتوجّع… ولو خبّيتها هتوجّع أكتر."



نظرت إليه طويلاً، ثم همست:

"أنا مش بخاف من الوجع، بخاف من الكذب."



سكت. لم يجد كلمات.
في عينيه كان بحر من التردد، وفي قلبه عاصفة من الأسئلة.
قرر ألا يقول شيئًا… ليس الآن.

لكن القدر لم يمنحه وقتًا.
في اليوم التالي، بينما كانت ليلى تنظّم الصور على حاسوبه استعدادًا للمعرض، وجدت مجلدًا جديدًا باسم “نوران 7”.
فتحته بفضول… لتجد بداخل الصور لقطة غير متوقعة:
آدم واقف في الميناء، يقف أمام امرأة غريبة تمسك بيد *** صغير.

تجمّدت يدها على الفأرة.
قلْبها خفق بعنف.
لم تحتج إلى سؤالٍ واحد لتعرف أن تلك هي “المرأة التي قال عنها مجرد سائحة”.

أغلقت الحاسوب ببطء، ثم جلست على الكرسي، تحدّق في الفراغ.
كانت تعرف أن الحقيقة بدأت تظهر… لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.
--------------------------------------------------------
الجزء الثامن

كانت ليلى تجلس أمام الحاسوب، الصورة أمامها كجرحٍ مفتوح.
كل شيء في الصورة واضح: آدم، المرأة الغريبة، والطفل الصغير الذي يشبهه بشكلٍ مخيف.
لم يكن مجرد شك بعد الآن… بل صمت موجع ينتظر أن ينفجر.

حين دخل آدم الغرفة، وجدها جالسة بلا حركة.
ابتسم بخفة وهو يخلع معطفه، ثم تجمّد في مكانه عندما رأى نظرتها.
كانت نظرة تعرف أكثر مما تودّ أن تقول.

قالت بهدوءٍ غريب:

"جميلة الصورة."



تلعثم:

"أي صورة؟"



أشارت إلى الشاشة دون أن تلتفت إليه:

"اللي في الميناء… أنت، وهي، والطفل."



ابتلع ريقه بصعوبة. حاول أن يتكلم، لكن صوته خانَه.
اقترب خطوة منها، ثم قال بصوتٍ مبحوح:

"كنت ناوي أقولك، بس… ما كنتش عارف أبدأ منين."



وقفت ببطء، نظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع:

"ما كنتش عارف تبدأ؟ بعد كل اللي بينّا، بعد ما وعدتني إنك ما تسكتش تاني؟"



اقترب منها أكثر، حاول أن يمسك يدها لكنها تراجعت.

"اسمعيني بس يا ليلى، الموضوع مش زي ما انتي فاهمة."



صرخت بصوتٍ مرتجف:

"طب فهمني! مين الطفل؟"



أخفض رأسه، وصوته ارتجف وهو يقول:

"نادين قالت إنه ابني… بس أنا مش متأكد. عشان كده قابلتها."



ارتجفت أنفاس ليلى، ثم قالت وهي تنظر إليه بذهول:

"يعني قابلتها فعلاً… وخبيت عني."



"كنت خايف تخسري ثقتك فيا."



"لكن كده أنت خسرت حاجة أكبر… صدقي."



سقط الصمت بينهما كحاجزٍ من زجاج.
اقترب منها مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تهرب.
كانت دموعها تنزل بصمت، ووجهها يختلط فيه الغضب بالخذلان.

قال بصوتٍ متهدّج:

"ليلى، لو كنت غلطت فإني أخفيت عنك، بس أقسم إنك الحقيقة الوحيدة اللي في حياتي. هروح أعمل فحص، وأواجه الماضي، بس ما تسيبينيش قبل ما أعرف."



نظرت إليه طويلاً، ثم قالت بنبرةٍ مكسورة:

"أنا مش هسيبك… بس مش قادرة أكون هنا دلوقتي. محتاجة وقت أفكر."



ثم أمسكت معطفها، وخرجت من الغرفة ببطء، كأنها تحمل العالم على كتفيها.
آدم ظلّ واقفًا مكانه، يسمع صدى خطواتها يبتعد، حتى لم يعد يسمع شيئًا سوى المطر.

جلس على الأرض، فتح الحاسوب، نظر إلى صورة الطفل مرة أخرى…
وفي عينيه، كان نفس السؤال يحترق:

"هل الماضي سيخطف مني الحاضر من جديد؟"
--------------------------------------------------------
الجزء التاسع

مرت أيام وليلى غائبة.
لم ترد على اتصالاته، لم تجب على رسائله، حتى زهرات اللافندر التي تركها أمام بابها ذبلت دون أن تراها.

آدم كان يعيش في صمتٍ ثقيل.
عاد إلى عمله، لكن عقله هناك — حيث ترك قلبه يتيه في شوارع الغياب.
كل مساء كان يجلس في المقهى نفسه، أمام الكرسي الفارغ الذي اعتادت أن تجلس عليه، يطلب القهوة نفسها، فقط ليشعر أنها قريبة منه بطريقة ما.

في أحد الأيام، قرر أن يواجه كل شيء.
ذهب إلى المختبر، سلّم عيّنة الدم، وانتظر النتيجة.
كانت دقات قلبه أسرع من أي ساعة في المكان.
وفي اللحظة التي ظهرت فيها الورقة أمامه، شعر أن أنفاسه توقفت.
النتيجة كانت واضحة: الطفل ليس ابنه.

شعر وكأنه تحرر من قيدٍ ثقيل، لكن الحرية جاءت متأخرة… لأن ليلى لم تكن بجانبه لتفرح معه.

أمسك هاتفه، كتب لها رسالة طويلة، ثم مسحها.
أعاد الكتابة، ثم حذفها مرة أخرى.
في النهاية، كتب جملة واحدة فقط:

"ثبتت الحقيقة… بس وجودك هو اللي ناقص."



مرّ يومان آخران قبل أن يتلقى ردًا منها.
رسالة قصيرة، لكنها غيّرت كل شيء:

"أنا عارفة، وصلتني النتيجة من المختبر. محتاجة أشوفك."



في تلك الليلة، التقيا في المكان الذي بدأ فيه كل شيء — الكورنيش، قرب البحر.
كانت واقفة هناك، والهواء يعبث بشعرها كما في المرة الأولى.
تقدّم نحوها ببطء، لا يعرف هل يحتضنها أم يعتذر فقط.

قالت بصوتٍ خافت:

"كنت عارفة إنك مش غلّاط، بس كنت محتاجة أشوف إذا هتختار الصدق ولا الخوف."



أجابها وهو ينظر في عينيها:

"اخترت أواجه، حتى لو خسرتك."



ابتسمت بدموعٍ لم تسقط بعد:

"اللي يواجه عشاني… ما يخسرنيش."



اقترب منها أكثر، حتى صارت المسافة بينهما أنفاسًا فقط،
لكن البحر بينهما كان شاهدًا على أن الحب لا يعود كما كان، بل يولد من جديد، أنضج… وأصدق.

--------------------------------------------------------
الجزء العاشر والاخير

كانت السماء تمطر كما في أول لقاءٍ لهما،
وكأن القدر أراد أن يعيد المشهد الأخير ليمنحهما فرصة البداية من جديد.

وقفت ليلى أمامه، مبللة الشعر، والبرد يرتجف في أصابعها، لكنها لم تهتم.
قالت بصوتٍ مبحوح:

"كل شيء مرّ، كل الشك، كل البعد… بس في حاجة واحدة ما راحتش، إحساسي بيك."



اقترب منها آدم ببطء، كمن يخشى أن يوقظ حلمًا جميلًا فينهار.
مدّ يده، لامس خدها بخفة، وقال:

"وأنا… رغم كل حاجة، كنت دايمًا حاسس إنك راجعة، حتى لما العقل يقول العكس."



ابتسمت وهي تنظر إلى عينيه اللتين لم تتغيرا، نفس الدفء، نفس الطمأنينة.
ثم وضعت يدها على صدره، حيث كان قلبه يخفق بقوة، وقالت:

"ده المكان اللي رجعت له… مش المدينة، ولا البيت، ولا الذكريات، بس قلبك."



لم يرد، اكتفى بأن احتضنها، بقوةٍ تشبه العناق الأول، لكن هذه المرة بلا خوف.
ترك المطر يختلط بدموعهما، وكأن السماء نفسها تبكي فرحًا بلقائهما.

جلسا على مقعدٍ خشبي قرب البحر، يتأملان الموج المتلاطم أمامهما.
قالت ليلى وهي تميل على كتفه:

"تفتكر نقدر نبدأ من أول وجديد؟"



أجابها بابتسامةٍ صافية:

"مش من أول وجديد… نكمّل من المكان اللي وقفنا فيه.
الحب ما ينتهيش، هو بس يتعب شوية، يستنى اللي يداويه."



صمتا قليلًا، ثم أخرج آدم من جيبه خاتمًا صغيرًا بسيطًا، كان يحتفظ به منذ زمن.
وضعه في يدها وقال:

"ده مش وعد بالزواج… ده وعد بالبقاء.
إنّي مهما حصل، عمري ما أختار غيرك."



أغمضت عينيها ودمعة دافئة سالت على خدّها، ثم همست:

"وأنا أوعدك… إنّي مش هسيبك تكمّل الحكاية لوحدك."



في تلك اللحظة، أشرقت الشمس بين الغيوم، وانعكست أشعتها على البحر،
وكأن الكون كله أراد أن يبارك حبهما بعد كل ما مرّا به.

وفي النهاية، لم يكن الختام فراقًا ولا موتًا،
بل حياة جديدة تبدأ بصمتٍ دافئ،
وحبٍ لا يحتاج إلى كلماتٍ كثيرة،
لأنه أصبح الحقيقة الوحيدة التي لا يشكّ فيها القلب.
 
تم دمج الأجزاء العشرة
عزيزي الكاتب القصص السردية ليست كالقصص المصورة
عند كتابة قصة يتم وضع الأجزاء الجديدة في التعليق مع طلب الدمج

ولا يتم نشر الأجزاء منفصلة
 
عاش جدا استمر في انتظار كل جديد
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
نسوانجي كام أول موقع عربي يتيح لايف كام مع شراميط من أنحاء الوطن العربي

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى أسفل
0%