NESWANGY

سجل عضوية او سجل الدخول للتصفح من دون إعلانات

سجل الان!

مكتملة العابر بين العوالم - عشرة اجزاء 1/12/2025

عمو جضيت

A L R O B Y
« نائب برلماني »
فارس الكلمة
نجم ايدول
افضل عضو
العضو الخلوق
نسوانجى مثقف
نسوانجي متفاعل
نسوانجي خفيف الظل
دكتور نسوانجي
أستاذ نسوانجي
عضو
ناشر قصص
ناشر المجلة
مستر نسوانجي
إنضم
1 أبريل 2025
المشاركات
2,707
التعليقات المُبرزة
29
مستوى التفاعل
1,929
نقاط
89,110
الجزء الأول — الباب الذي لا يراه أحد

في أقصى أطراف المدينة العتيقة، حيث تنحني الأزقة كالأفاعي حول بيوت طينية محروقة بنار الشمس، كانت هناك قصة لا يصدقها أحد… ولا يعرف حقيقتها إلا القليل ممن عاشوا ليحكوها. كانت مدينة “النورين” تبدو في ظاهرها عادية: أسواق مزدحمة، ***** يركضون خلف عربات الباعة، ووجوه تعبق بصلابة الحياة. لكنها كانت مدينة تعيش على حدود عالم آخر… عالم حاول الجميع تجاهله.

في تلك المدينة عاش سالم، شاب في أواخر العشرينات يعمل في أرشيف البلدية. ورث عن والده — الكاتب المعروف — شغفًا بالبحث، وعن والدته صمتًا عميقًا لا يفارقه. كان يومه يبدأ بين أكوام الوثائق القديمة وينتهي بينها، حتى صار يُعامل كظل دائم للمكان.

رغم ذلك، لم يكن سالم شخصًا عاديًا. كان يشعر دومًا بأن هناك شيئًا ناقصًا في حياته، وكأن قدرًا ما يطارده منذ ولادته. كثيرًا ما كان يرى حُلمًا غريبًا: بابًا خشبيًا ضخماً يقف منفردًا وسط فراغ بلا نهاية، بابًا ليس مثبتًا في جدار، ولا يؤدي إلى بيت، فقط باب قائم في العدم… وصوت خلفه يناديه باسمه.

لم يجرؤ يومًا على التساؤل. ربما لأن المدينة علمتهم منذ زمن بعيد أن بعض الأسئلة لا تبحث عن إجابة.


---

الوثيقة التي غيّرت كل شيء

في صباح واحد من أيام الصيف الحارقة، دخل سالم إلى غرفة تخزين الملفات المحظورة — مجموعة وثائق قديمة لا يسمح بالاطلاع عليها إلا للموظفين المخضرمين. وهو يبحث عن ملف ضائع، سقطت أمامه حافظة مهترئة انفتح غلافها بمجرد لمسها، وتدحرجت منها ورقة صفراء بدت كأنها نجت من حريق.

على طرف الورقة خُط عنوان بخطٍ حادّ:
"سجل الظلال – القسم الأول"
تحت العنوان ختم دائري مكتوب حوله:
"محظور: يتعلق ببوابة النورين"

تجمدت يده.
بوابة؟ أي بوابة؟ لم يسمع بهذا الاسم من قبل. فتح الورقة فوجد رسماً دقيقًا لباب خشبي يشبه تمامًا الباب الذي يطارده في أحلامه.

تعالى في صدره خفق غريب… خليط من خوف وشيء آخر يشبه النداء.

كان بالورقة وصف لظاهرة حدثت قبل مئة عام:
انشقاق في السماء فوق المدينة، ظهور بوابة ذات ضوء أسود — نعم، ضوء أسود — خرج منها أناس يشبهون البشر لكن بظلال لا تتطابق مع حركتهم.
أغلق سالم الورقة بسرعة.
لا يمكن. هذه كتابات خرافية… أليس كذلك؟

لكنه لم يعد قادرًا على تجاهل شعور داخلي يخبره أن ما يقرأه ليس خرافة.


---

المرأة الغامضة

في طريقه للخروج من الأرشيف، لاحظ وجود امرأة تقف أمام بوابة المبنى. كانت ترتدي عباءة سوداء بخيوط فضية، وعينان لونهما الرمادي الغريب تتابعانه كأنهما تقرآن ما يجول في قلبه.

قالت بصوت منخفض:
"وجدت الورقة… أليس كذلك؟"

ارتجف.
— "من أنت؟ وكيف تعلمين؟"

اقتربت خطوة، لتظهر تفاصيل وجهها الهادئة المقلقة في آن.
— "اسمي ليان. وأنا لست هنا بالصدفة. كنت أنتظرك."
— "تنتظرينني؟"
— "لأنك آخر وريث لختم الظلال… الذي فُتح الآن."

لم يفهم سالم شيئًا، لكن خوفه من نبرة اليقين في صوتها فاق كل شيء.
حاول الرد لكن لسانه انعقد.
تابعت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:
— "الورقة التي وجدتَها… ليست مجرد وثيقة، بل نداء. والبوابة التي رأيتها في أحلامك ليست حلمًا."
ارتجف قلبه. أراد أن يصرخ، لكنه شعر كأنه محاصر داخل جسده.

ثم قالت:
— "اتبعني الليلة، عند منتصف الليل… إلى أطلال القلعة القديمة. وإلا لن يكون لديك خيار آخر قريبًا."

قبل أن يسأل شيئًا، اختفت بين المارة كما لو أنها لم تكن موجودة.


---

ليلة القلعة

منذ مغادرة المرأة، لم يعد سالم قادرًا على التفكير بوضوح. كل ما بدا ثابتًا في عالمه صار مهتزًا. لكنه رغم خوفه وجد نفسه قبل منتصف الليل يقف أمام بوابة القلعة القديمة، حيث لا يجرؤ أحد عادة على الاقتراب.

كانت السماء غائمة والقمر شاحبًا، وكأن الليل يحبس أنفاسه.

ظهرت ليان من الظلام.
— "كنت أعلم أنك ستأتي."
— "لماذا أنا؟"
— "لأنك قادر على رؤية ما لا يراه الآخرون."

قادته داخل القلعة المتشققة. كان الهواء ثقيلاً، والجدران مغطاة بنقوش غريبة تشبه الرؤوس والأجنحة.

توقفت أمام جدار حجري مستدير، وضعت يدها عليه، فاهتز الحجر وبدأت خطوط خفية تتوهج بلون أزرق باهت.
فُتح الجدار عن ممر ضيق.

— "من هنا تبدأ الحقيقة."
— "إلى أين يقود هذا؟"
— "إلى ما وراء العالم."
قالت ذلك بثبات جعل ركبتيه ترتجفان.


---

المرآة الحجرية

في نهاية الممر، وجد سالم قاعة واسعة تتوسطها صخرة مسطحة، فوقها مرآة دائرية ليست من زجاج، بل من حجر أسود ناعم…

ومع ذلك، كان سطحها يعكس الضوء!

اقترب سالم، وبمجرد أن رأى انعكاسه… تراجع.

ظلّه لم يتحرك كما تحرك هو.
خطا هو خطوة للخلف، لكن ظلّه بقي ثابتًا، يحدّق فيه.

— "ما هذا؟!"
قالت ليان بجدية قاتلة:
— "هذا هو اختبار الظلال. إن ظلّك منفصل عنك منذ زمن… لأنك مرتبط بالبوابة."

أراد أن يهرب. أراد أن يصرخ.
لكن الظل بدأ يتحرك الآن… من تلقاء نفسه.

رفع يده اليمنى، فرفع الظل يده اليسرى.
بدأت أطراف الظلام تتمدد نحو حواف المرآة كأنها تحاول الخروج.

صاح سالم:
— "أوقفيه!"
ابتسمت ليان ابتسامة طفيفة لا تحمل أي اطمئنان.
— "لا يمكن. لقد بدأ الأمر بالفعل منذ لحظة ولادتك."

وبينما كان الظل على وشك كسر الحاجز بينه وبين العالم الحقيقي، شهقت ليان فجأة:
— "سالم… الباب يُفتح!"


---

الباب

ظهر الضوء الأسود — تمامًا كما وصفته الوثيقة — في الهواء فوق الصخرة. كان الضوء يبتلع الظلام حوله بدلًا من أن يضيئه، وبدأ يتخذ هيئة مستطيلة… باب بلا جدار.
نفس الباب الذي حلم به سالم طوال حياته.

وامتد صوتٌ عميق من خلفه، ليس صوتًا بشريًا، بل أشبه باهتزاز الأرض:

"الوقت انتهى… ادخل."

ارتجفت الأرض أسفلهم.
صرخت ليان:
— "إذا لم تعبر الآن… سيعبر ظلك بدلًا منك، وسيحل مكانك في العالم!"
— "ماذا يعني هذا؟!"
— "يعني أنك ستختفي، ويعيش ظلك حياتك!"

بينما كان الباب يفتح على اتساعه، رأى سالم خلفه شيئًا لا يمكن وصفه…
عوالم متداخلة، أشجار بلا جذور، سماء مقلوبة، ووجوه تلمع كالماء.

كان الظل الآن يخرج من المرآة، يزحف على الأرض بسرعة مخيفة، يحاول الوصول إلى الباب قبله.

صرخت ليان:
— "اركض!!!!"


---

قرر سالم…

هجم الظل عليه، فاختل توازنه. شعر ببرودته كالموت. في تلك اللحظة، أدرك أن حياته كلها كانت تمهيدًا لهذه اللحظة.

جمع شجاعته وقفز نحو الباب.
وحين لامس الضوء الأسود… اختفى.

اختفت معه المرآة، والظل، وحتى صوت ليان صار بعيدًا كما لو أنه يغرق في أعماق بئر.

ثم…
سقط على أرض غريبة.

أرض ليست أرضًا… بل أشبه بلوحة لا تكتمل.

رفع رأسه فرأى…
مدينة أخرى تشبه مدينته تمامًا، لكنها تغرق في ضباب أزرق، والناس يسيرون بلا وجوه واضحة.

ومع أول خطوة خطاها داخل العالم الجديد… شعر بأن هناك من يراقبه من بعيد.

وهكذا…
بدأت رحلته الحقيقية.

النهاية المؤقتة للجزء الأول.

الجزء الثاني — مدينة الانعكاس

عندما فتح سالم عينيه، لم يعرف هل مرّ وقت طويل أم لا. كان يشعر كمن غاص في بحرٍ بلا قاع، ثم قُذف فجأة إلى السطح. الهواء حوله ثقيل، مشبع برائحة تراب مبتلّ رغم أن السماء لم تكن تمطر. كان الضوء خافتًا… لكنه ليس ضوء النهار، ولا سواد الليل. ضوء رمادي غريب، كأنه صادر عن عالمٍ يعيش بين حالتين لا تنتميان لأي زمان.

وقف سالم بصعوبة، ينفض الغبار الذي لم يكن غبارًا تمامًا، بل حبيبات صغيرة تلمع كلما تحركت، كأنها ذرات زجاج مسحوق.

أول ما رآه كان شارعًا طويلاً، يشبه شارع “السوق الكبير” في مدينته… نفس الأبنية، نفس النوافذ الخشبية، حتى الحجارة المرصوفة في الأرض بدت متطابقة. لكن هنالك شيء واحد فقط كان مختلفًا:

لا أحد يملك وجهًا كاملاً.

كان الناس — إذا صحّ تسميتهم بالناس — يسيرون ببطء، ملامحهم ضبابية، كأن وجوههم مرسومة بخطوط ماء تجفّ قبل أن تكتمل. بعضهم بلا أعين، بعضهم عيونهم صغيرة كالنقاط، وبعضهم بلا فم. ورغم ذلك، يمشون كأن كل شيء طبيعي.

ارتجف سالم.
“أهذا… عالم آخر؟ أم أنني أهذي؟”


---

الرسالة الأولى

بينما يتقدم في الشارع، لاحظ ورقة مثبتة على باب أحد البيوت. كانت مهترئة لكنها واضحة بما يكفي لقراءة ما كتب عليها:

"إلى القادم الجديد:
أنت الآن في مدينة الانعكاس.
لا تتحدث إلى الوجوه الضبابية.
لا تدخل البيوت التي تنظر إليك.
ولا تنس… ظلّك لم يصل بعد."

شعر سالم بقشعريرة تسري في عموده الفقري.
من كتب هذه الرسالة؟ ولمن؟ المكان بدا خالياً من أي كائن واعٍ قادر على كتابة شيء بهذه الدقة. حاول أن يعيد قراءة السطر الأخير:

"ظلّك لم يصل بعد."

تذكّر مشهد الظل وهو يحاول الخروج من المرآة.
هل يعقل أن يكون الآن… في طريقه إلى هنا؟


---

الظهور الأول للمراقِب

تابع السير ببطء، يحاول ألّا يثير انتباه أي من الوجوه الضبابية. كان كل شيء صامتًا. لا أصوات حديث، لا وقع خطوات، فقط همهمة خفيفة كأنه صوت رياح تأتي من تحت الأرض.

ثم سمع صوتًا آخر…
ليس من الأرض، بل من خلفه.

خطوات.

التفت بسرعة، لكنه لم يرَ أحدًا.
ومع ذلك، لم تخدعه أذناه… كان شخص ما يتبعه، لكن لا يظهر.
ربما… مراقَب؟

واصل السير، وهذه المرة سمع الخطوات تتسارع، كأن هناك من يحاول اللحاق به دون أن يُكشف.

قال بصوت مرتجف:
"من هناك؟!"

لم يجب أحد.

لكن في اللحظة التي التفت فيها مرة أخرى، رأى ظلًّا طويلًا يمتد على الأرض… ظله هو… لكن ليس مطابقًا تمامًا.

كان ظلًا أكثر طولاً قليلاً… وأغمق بدرجة تثير الريبة.

تراجع خطوتين.
الظل لم يتحرك معه.
بقي ثابتًا، كأنه ملصق بالأرض.

همس سالم بصوت يكاد لا يسمع:
"أأنت… ظلي؟"

لم يجب الظل، لكنه بدأ يتشوه ببطء، خطوطه تهتز كأنها تُسحب إلى اتجاه آخر، ثم اختفى تدريجيًا داخل الحائط المجاور.

شعر سالم بأن قلبه ينكمش من الخوف.
إن كان هذا ظله… فهو يبحث عن شيء. وربما ليس شيئًا بريئًا.


---

المنزل الذي ينادي

واصل السير في الشارع حتى وصل إلى منزل صغير في نهايته.
كان المنزل مختلفًا عن غيره، جدرانه تبدو أكثر صلابة، نوافذه مغلقة بستائر سوداء كثيفة، والباب… الباب لم يكن كالأبواب الأخرى.

كان يُشبه تمامًا الباب الذي رآه في أحلامه… لكن دون الضوء الأسود.

والأعجب… كان الباب يهتز، كأن شيئًا خلفه يحاول الخروج.

اقترب سالم دون أن يشعر.
كل شيء فيه كان يناديه:
صوتٌ داخلي يقول له: "افتح… ستعرف الحقيقة."

لكن الرسالة على الورقة حذرته:
"لا تدخل البيوت التي تنظر إليك."

هل يعتبر هذا بيتًا "ينظر" إليه؟
بدون منطق واضح، شعر أن الباب يراقبه فعلًا.

امتدت يد سالم نحو المقبض… لكن قبل أن يلمسه، سمع صوتًا خلفه.

— "لا تفتح ذلك الباب."

استدار بسرعة ليرى امرأة تقف عند زاوية الشارع… لكن هذه المرة بملامح واضحة.
وجهها لم يكن ضبابيًا.
كانت إنسانية بالكامل.

شعر سالم بأنه رأى طيف نجاة.

— "من أنت؟"
— "اسمي نورا. وأنا مثلك… لست من أهل هذا العالم."

منذ زمن طويل لم يسمع صوتًا طبيعيًا إلى هذا الحد.
كان صوتها ثابتًا، لكنه يحمل شيئًا من الحزن العميق.

— "كيف وصلتِ إلى هنا؟"
— "مثلما وصلت أنت… عبر البوابة."
— "وماذا تريدين؟"
— "إنقاذك، إن استطعت."
— "من ماذا؟"
— "من نفسك."

قالت الجملة الأخيرة وكأنها تحمل أعوامًا من الألم.


---

قوانين مدينة الانعكاس

سالم: "هل هذا مكان… حقيقي؟"

نورا:
"نعم. لكنه ليس عالمًا كاملًا. هو انعكاس لعالمكم. النسخة الناقصة. هنا تتجسد الأشياء التي لم تكتمل، الأرواح التي لم تظهر، الأفكار التي لم تتحقق. كل شيء هنا… نصفه غائب."

سالم:
"وماذا عن الوجوه الضبابية؟"

نورا:
"هؤلاء ليسوا بشرًا. إنهم مجرد صدى… صور لأناس في عالمكم، لكن بلا روح. كأنهم ظلٌّ بلا أصل."

سالم:
"وظلي؟ لقد رأيته."

تغيرت ملامح وجهها.
— "إذن وصل. كنت أخشى هذا."
— "ما الذي يحدث؟"
— "عندما تعبر أنت البوابة، يأتي ظلك بعدك. لكن هنا… الظلال ليست كما تعرفها. إنها كائنات حية، لها إرادة، ولها هدف واحد: أن تصبح أنت."

شعر سالم بدوار.
— "يحل مكاني؟"
— "نعم… في عالمكم. إن تمكن من ذلك، سيعود وحده إلى هناك… وأنت ستظل هنا إلى الأبد."

تراجع سالم خطوة، كأنه تلقى ضربة.
— "وماذا علي أن أفعل؟"
— "يجب أن تواجهه قبل أن يجد الباب الذي يعيده."
— "أي باب؟"
— "الباب الذي يشبه هذا… لكنه ليس هنا فقط. إذا وجده قبلك، انتهت قصتك."


---

المشهد الذي تغيّر كل شيء

قبل أن يكمل سالم أسئلته، سمعا صوتًا قادمًا من الشارع خلفهما.

صوت خطوات… كثيرة.
أصوات تشبه الهمهمة الجماعية.

التفتا ليروا عشرات من الوجوه الضبابية تجمّعت فجأة، واقفة بلا حركة، تحدّق جميعها في اتجاه واحد…

إلى سالم.

قالت نورا بسرعة:
— "اختبئ خلفي. لا تتحرك."

وقفت أمامه وحركت يدها اليمنى بحركة دائرية.
فجأة تغير الهواء حولهما، وأصبح المكان… باهتًا أكثر.

مرت الوجوه الضبابية بجانبهما دون أن تراهم.
كأنهما غير موجودين.

— "ما هذا…؟"
— "إخفاء بسيط. لا يدوم إلا دقائق."

لكن قبل أن يلتقط أنفاسه، سمعا صوتًا آخر…
صوتًا يشبه تساقط الحجارة.

من فوق أحد الأسطح، ظهر ظل طويل… طويل جدًا.

قالت نورا بصوت مرتعش لأول مرة:
— "لقد وجدنا…"

سالم:
— "من؟"

نورا:
— "ظلك."


---

مطاردة الظل

وبمجرد أن قالت ذلك، قفز الظل من فوق السطح، ليس قفزًا عاديًا، بل سقوطًا كالسائل الأسود الذي ينحدر بسرعة.

تحول الظل من شكل بشري إلى كتلة مظلمة ذات أطراف تمتد وتنسحب.
كان أقرب إلى كائن حيّ منه إلى ظل.

صرخت نورا:
— "اركض! لا يمكنك مواجهته الآن!"

انطلقا في الأزقة، والظل يتبعهم بسرعة غير طبيعية.
كان يتحرك بزوايا غير ممكنة، يدخل الجدران ويخرج من الجهة الأخرى، يلتف حول المباني كأنه دخان أسود له عقل.

كان سالم يركض بأقصى ما يستطيع، يسمع نبضاته تضرب أذنيه، والهواء البارد يلسع وجهه.
لكن كلما نظر خلفه… كان الظل أقرب.

صاحت نورا:
— "انعطف هنا!"

التفّا إلى شارع جانبي ضيق، لكن الظل لحقهما بسهولة.

مرت لحظة… ثم جاء صوت ارتطام قوي.
ظل الطرف المظلم يمد ذراعًا مظلمة أمسك بقدم سالم.

سقط أرضًا.

صرخت نورا:
— "لااا!"

حاولت سحب سالم، لكن الظل بدأ يلتف حول قدمه كأنه يريد سحبه إلى داخل الأرض.

شعر سالم أن برودة لا تُحتمل تصعد من قدمه نحو جسده.

فجأة…
مدّت نورا يدها نحو الظل، وبدأت تتمتم بصوت غريب.

توهجت يدها بضوء أبيض.
وعندما لامست الظل… تراجع، كأنه احترق.

تحررت قدم سالم.
لكن نورا سقطت على ركبتيها، تتنفس بصعوبة.

— "هذا… مرهق… جداً…"

سالم بصوت مذعور:
— "هل أنت بخير؟!"

رفعت رأسها بصعوبة.
— "نعم… لكن ليس لدينا وقت. الظل سيعود أقوى. يجب أن نصل إلى الملجأ."

سالم:
— "أين؟"

نورا:
— "أسفل المدينة… حيث بدأ كل شيء."


---

الطريق إلى تحت

اتجها نحو مبنى مهجور عند نهاية الحي. كان يبدو كمدرسة قديمة، جدرانها مليئة بالشروخ، وبابها مائل.

دفعت نورا الباب.
ظهر درجات سلم تنزل إلى ظلام دامس.

— "هنا."
— "ماذا يوجد بالأسفل؟"
— "الحقيقة. وأول خطوة toward defeating your shadow."

سالم وقف على أول درجة، ثم نظر إلى الظلام الممتد تحت قدميه.
كانت رائحة الأرض رطبة، وصوت قطرات الماء يتردد في الأعماق.

وقبل أن ينزلا، سأله سؤالًا غيّر كل شيء:

— "سالم… هل سمعت نداءً في أحلامك قبل أن تأتي إلى هنا؟"

ارتجف.
— "نعم… صوت يناديني."
— "هذا ليس حلمًا."
— "ماذا تقصدين؟"
— "هذا… هو الشخص الذي يريدك أن تفتح البوابة. هو سبب وجودك هنا."

ابتلع سالم خوفه.
— "ومن يكون؟"

نظرت إليه نورا نظرة لم يفهمها… مزيج من الشفقة والقلق.

— "ليس بشريًا.
وليس ظلًا.
إنه… شيء ثالث."

ثم تابعت:
— "والأسوأ… أنه يريد أن يخرج إلى عالمكم."

تجمد سالم في مكانه.

نورا مدت يدها إليه:
— "إذا أردت النجاة… وإنقاذ عالمك وعالم ظلك… اتبعني."

نظر سالم إلى السلم المظلم.
ثم أخذ نفسًا عميقًا…

ونزل معها.

وهناك… تحت المدينة… كانت بداية الحقيقة.

— يتبع في الجزء الثالث —

الجزء الثالث — أسفل المدينة

كان السلم المؤدي إلى تحت الأرض أطول مما توقعه سالم. كل خطوة ينزلها كانت تصدر صدى خافتًا، كأن الأصوات هنا تتردد من أماكن لا تراها العيون. الجدران كانت مبللة، تتلألأ عليها قطرات كأنها دموع حجر. لم يكن هناك مصدر ضوء واضح، ومع ذلك كان يرى الطريق بشكل غريب… ضوء شاحب بلا مصدر، كأنه ينبعث من الهواء نفسه.

كانت نورا تنزل أمامه بخطوات ثابتة، رغم التعب الذي بدا عليها بعد مواجهتها للظل. حاول أن يسألها، لكنها رفعت يدها وكأنها تطلب الصمت.

— “الأصوات هنا تسمعنا.”
— “أصوات من؟”
— “الصدى… أرواح هذا المكان.”

لم يفهم سالم إن كانت تمزح أم تتحدث بجدية. لكنه شعر فعلاً بأن شيئًا غير مرئي يراقبه من بين الشقوق.

وبعد دقائق طويلة، ظهر ممر يتسع تدريجيًا، حتى وصل إلى قاعة ضخمة تحت الأرض. لم تكن غرفة طبيعية… بل حرم حجري محفور في قلب المدينة.

نقوش الماضي

وقفت نورا أمام جدار حجري يغطيه رسم هائل، يبدو كقصة منقوشة بلغات وصور. تقدّم سالم ليرى.

في اللوحة الأولى:
بوابة عملاقة يشع منها ضوء أسود، وحولها رجال بوجوه مرسومة بدقة.

في اللوحة الثانية:
خرج من البوابة ظلٌّ يشبه البشر… لكنه بلا ملامح.

في اللوحة الثالثة:
رجل واحد فقط يحمل ختمًا دائريًا فوق صدره، يقف أمام البوابة، ومن خلفه مدينة كاملة تتهاوى.

سأل سالم وهو يحدّق في النقوش:
— “ما هذا؟ تاريخ؟ أم تحذير؟”

أجابته نورا:
— “هذا هو أصل مدينة الانعكاس… وأصل البوابة التي رأيتها.”

اقتربت من الجدار ولمست نقش الرجل الذي يحمل الختم.
— “قبل مئات السنين، ظهر كائن من عالم الظلال، يريد أن يعبر إلى عالم البشر. ليمنعه الحراس، أغلقوا البوابة… لكنهم لم يستطيعوا تدميرها. فجعلوها بين عالمين.”

سالم تمتم:
— “وبقيت هنا… بين العوالم.”

ابتسمت نورا بمرارة:
— “نعم. وبسبب ذلك، تشكّل هذا المكان… مدينة انعكاس، تجمع بقايا ما يدخل البوابة وما يخرج منها.”

ثم نظرت إليه بحدة:
— “لكن ما لا تعرفه بعد… هو أنك لست أول من يدخل هذا العالم.”
— “أعرف… لكن لماذا أنا؟”


---

سر الورثة

جلست نورا على صخرة بالقرب من الجدار وبدأت تشرح:

— “كل جيل، يولد شخص واحد فقط يحمل القدرة على رؤية الظلال. ليس بالمعنى البسيط… بل رؤية حقيقتهم.
هؤلاء اسمهم: الورثة.”

سالم:
— “هل يحملون قوة؟”

نورا:
— “ليس قوة… بل لعنة. لأن الظلال أيضًا تراهم. أنت… آخر ورثة ختم الظلال.”

سالم شعر بثقل يسقط على صدره.
— “وهل كان والدي…؟”

قطعت نورا كلامه:
— “نعم. والدك كان أحد الورثة. وهو… لم يخبرك.”

ارتجفت يد سالم.
صور أبيه اختلطت في ذهنه. صمته، انشغاله، الكتب الغريبة التي كان يخفيها…
الآن بدأ كل شيء يتضح.

— “ولماذا لم يخبرني؟”
— “لأنه أراد حمايتك. لكنه فشل…”

سالم بحدة:
— “فشل؟!”

نورا:
— “والدك حاول إغلاق البوابة نهائيًا، لكن الكائن الذي يعيش خلفها — والذي نسمّيه الغير مكتمل — منعه. وبعدها… تطارد البوابة نسل الورثة حتى تجد الأضعف.”

هزّت رأسها بأسف.
— “وأنت يا سالم… هو الأضعف. والأقوى في الوقت نفسه.”

سالم لم يفهم.
— “كيف؟”

نورا اقتربت منه وقالت:
— “لأنك الوحيد الذي حاول ظلك أن يسبقك إلى العالم الآخر.”


---

الظل يزداد قوة

بينما يتحدثان، اهتزت الأرض اهتزازًا خفيفًا.
ثم سمعا صوتًا من السقف الحجري… كخدش.
ثم صوتًا آخر… أقرب.
حتى أصبحت الأصوات فوقهما مباشرة.

— “أظنه… وجدنا.”
قالت نورا وهي تقف بسرعة.

سالم:
— “من؟”
— “ظلك.”

ثم نظر إلى سقف القاعة…
رأى خطًا مظلمًا يتسرب من شق كبير، كأنه ماء أسود.
بدأ الخط يكبر… ويتحول إلى شكل بشري.

نزل الظل من السقف قليلًا قليلًا، لكنه لم يسقط. كان يلتصق بالجدار كأنه من مادة لزجة.

أصوات همسات صدرت من الظل، ليست مفهومة لكنها مخيفة، كأنه يحاول نطق اسم سالم… أو ابتلاعه.

قالت نورا:
— “يجب أن نذهب الآن!”

لكن الظل انقضّ بسرعة.
حاول سالم التراجع لكنه سقط.
امتدت ذراع مظلمة تمسك بحجر، ثم ألقته عليهم بقوة.

تدحرجت صخرة ضخمة في القاعة، فاضطر سالم ونورا للقفز جانبًا.

نورا صاحت:
— “اتبعني! الطريق إلى الملجأ من هذا الممر!”

ركضت بسرعة، فركض خلفها، والظل ينقض من كل اتجاه.
كان يخرج من الحجارة، يدخل الأرض، ثم يتحول إلى خطوط طويلة سوداء تلتف حولهما.

لكن نورا كانت تعرف الطريق.
توقفت أمام باب حجري محفور عليه رمز دائري يشبه الختم الذي في نقش الجدار.

— “هذا هو الباب الأول… الوحيد الذي لا يستطيع ظلك الدخول منه.”

دفعت الباب، فانفتح بعد صرير طويل.
دخلا بسرعة، وأغلقته خلفهما قبل أن يصل الظل.

سمعا خارج الباب صوت ارتطام قوي، كأن الظل يصرخ… ثم هدوء.

سالم قال وهو يتنفس بصعوبة:
— “لقد ابتعد…؟”

نورا:
— “لا. إنه ينتظر. لكنه لا يستطيع الدخول… حتى الآن.”

سالم:
— “لماذا؟”

نورا نظرت مباشرة إلى عينيه:
— “لأنه ليس كاملًا بعد.
وسيكتمل فقط… إذا التقاك وجهًا لوجه.”


---

داخل الملجأ

كان الملجأ عبارة عن غرفة واسعة مملوءة بالرفوف، عليها كتب قديمة، خرائط، أدوات حجرية ومعدنية، وأشياء لم يجد لها اسماً.
في مركز الغرفة دائرة كبيرة مرسومة على الأرض بخطوط فضية.

قالت نورا:
— “هذا المكان بناه الورثة الأوائل. هنا… بدأوا الحرب الأولى مع الظلال.”

سالم:
— “هل انتِ منهم؟”

لم تجب مباشرة.
بل أخذت نفسًا عميقًا.
— “لا. أنا… واحدة من الذين تعلقوا هنا. لست من عالم الظلال ولا عالمكم. أنا من الناس الذين فقدوا ظلالهم… وضاعوا بين العوالم.”

سالم شعر بحزن عميق في صوتها.
— “هل… يمكن إنقاذك؟”
هزت رأسها:
— “لا تفكر بي الآن. نحن على وشك خسارة عالمين.”

ثم أشارت إلى الدائرة الفضية.
— “يجب أن تقف داخلها. إنها الدائرة التي تكشف شكل الظل الحقيقي.”

سالم تردد.
— “ماذا سيحدث إذا وقفت فيها؟”
— “سترى ظلك الحقيقي… وسيعرف هو مكانك.”

— “وهل هذا جيد؟”
— “لا. لكنه ضروري.”


---

لحظة المواجهة الأولى

دخل سالم الدائرة ببطء.
وما إن وضع قدمه على الخط الفضي…
حتى شعرت الأرض وكأنها تتنفس.
وأصبح الهواء أثقل… وأكثر برودة.

بدأ الخط الفضي في الأرض يتوهج.
ثم انطلق منه ضوء خافت يحيط بسالم من كل اتجاه.
وقال:
— “نورا… أشعر بأن هناك أحدًا هنا.”

نورا تراجعت خطوة:
— “هو هنا بالفعل… خلفك.”

استدار سالم ببطء…

ورآه.

ظلّه يقف عند حافة الدائرة، مادة يدًا طويلة بشكل غير طبيعي.
لكن للمرة الأولى… لم يكن الظل ضبابيًا.
بل اتخذ شكلاً بشريًا كاملًا… يشبه سالم.

لكن الوجه بلا ملامح.

صوت غريب خرج من الظل:
"أنت لي."

سالم تجمد.
صوت الظل لم يكن صوتًا بشريًا… بل صوتًا كأنه يأتي عبر عشرات الطبقات من الماء.

نورا صاحت:
— “لا تخرج من الدائرة! إن خرجت… سيصبح أقوى منك!”

لكن الظل مد يده أكثر.
كانت يده تتشكل… كأنها تنمو أصابع.

— “سالم… لا تتحرك!”

لكن الظل قال بصوت مشوه:
"اقترب… سأُعيدك إلى مكانك… وأعود أنا لحياتك."

شعر سالم بقلبه يدق بقوة.
كلام الظل كان مثل سمّ بارد يدخل عقله.

ثم حدث ما لم يتوقعه أحد…

الظل دخل الدائرة.

ولم تحترقه الخطوط الفضية كما قالت نورا.

نورا شهقت:
— “مستحيل!
إنه… يتغير!”

الظل اكتسب ملامح خفيفة في وجهه… كأن وجه سالم بدأ يظهر عليه.

سالم همس:
— “ماذا يحدث؟!”

نورا تحاول تفسير ما ترى:
— “يبدو أن الظل… يأخذ شكلك. كلما اقترب منك… أصبح أكثر اكتمالًا.”

الظل اقترب أكثر…
حتى صار وجهه قريبًا من وجه سالم.

وقال بصوت يشبه صوته هو:
"أنا أنت… وأنت الزائد."


---

الصدمة

وفجأة… حدثت رجّة عنيفة في الغرفة.
الجدار خلف الظل تشقق.
ظهر ضوء أسود من الشق.

نورا صرخت:
— “لااا! هذه البوابة الثانية! إنها تفتح من تلقاء نفسها!”

الظل التفت نحو الشق، ثم نحو سالم.
كان عليه أن يختار…
إما الدخول أولاً، أو القبض على سالم قبل أن يهرب.

مد يده نحو سالم بقوة.

وفي اللحظة ذاتها…
دفعته نورا بعيدًا خارج الدائرة، فاندفع سالم للخلف واصطدم بالأرض.

أما نورا…
وقفت مكانه.

الظل التصق بها بدلًا من سالم.

صرخت نورا بألم:
— “اركض يا سالم! لا تسمح له أن يدخل وحده! إذا دخل… سيعود لعالمكم وأنا مكانك!”

سالم كان مصدومًا.
— “لكن…! لا أستطيع تركك!”

نورا صاحت بصوت يائس:
— “اذهب!!!”

الظل بدأ يغطي جسدها كأنه يبتلعها.

صوتها يتلاشى:
— “سالم… لا تنسَ…
الغير مكتمل… ينتظر… خلف البوابة…”

ثم…
اختفت نورا بالكامل داخل الظل.

وبقي الظل واقفًا، ينظر إلى سالم.

لكن هذه المرة…
كان وجهه يحمل ملامح بشرية واضحة.

ملامح سالم.

وقال بصوت سالم نفسه:

"حان دوري الآن."

ثم اتجه نحو البوابة السوداء.

وسالم…
كان عليه اتخاذ القرار:

يلحق ظله… أم يهرب؟

نهاية الجزء الثالث انتظروني ف الجزء الرابع

الجزء الرابع: مدينة الوجوه المعلَّقة

لم يشعر سامح بثقل الهواء من حوله إلا حين أغلق الباب الحجري خلفه بصوت بدا أقرب إلى زمجرة حيوان يحتضر منه لصوت حجر يُسحب على أرضية قديمة. كانت الإضاءة في الممر الذي دخل إليه خافتة للغاية، آتية من خطوط فسفورية تمتد على الجدران كأنها عروق تتوهج تحت جلد كائن عملاق. رفع المصباح الذي تركه له العجوز في الجزء السابق، لكنه لاحظ فورًا أنه لا يعمل كما ينبغي… المصباح كان يضيء فقط عندما يخطو خطوة، ويخفت حين يتوقف، كأنه لا يؤمن بالسكون.

تردد صوت خطواته في الممر الطويل، ثم بدأ يسمع أصواتًا أخرى، ليست خطوات بشرية، بل أشبه بصفير خافت، متقطع، وكأنه يأتي من داخل الجدران نفسها. مرر يده على الحجر، فشعر بنبض خفيف، نبض حقيقي يشبه نبض الشرايين. سحب يده بسرعة وابتلع ريقه.

همس لنفسه:
"أنا فين… المكان ده مش طبيعي خالص."

استمر في السير حتى لاحظ أن الخطوط المتوهجة على الجدران بدأت تشكل نمطًا متكررًا… دائريًا، كأنها رسوم قديمة أو رموز محفورة، لكن ما أزعجه حقًا هو أن الرموز كانت تتغير كل مرة يرمش فيها بعينيه.
كأن الجدران تراقبه.

وصل إلى مفترق طرق؛ ثلاثة ممرات تتجه في ثلاثة اتجاهات مظلمة. في اللحظة التي وقف فيها يتساءل أي اتجاه يختار، بدأ المصباح يهتز بين يديه بشكل عنيف حتى خشي أن يسقط. ثم فجأة… توقف عن الاهتزاز وأضاء في اتجاه الممر الأوسط.

قال بضيق:
"ماشي… واضح إنك عايزني أمشي هنا."

دلف إلى الممر الأوسط وهو يحاول جاهداً ألا يلتفت خلفه. شعر بأن أحدهم يتبعه… ليس شخصًا واحدًا، بل أكثر من ظل يتحرك بلا خطوات. كلما أسرع، زادت سرعة الهمسات خلفه. وكلما حاول ألا يستمع، بدا وكأن الأصوات تقترب من أذنه مباشرة، كأن أحدهم يتنفس خلف عنقه.

لكن شيئًا ما أوقفه فجأة؛ صوت خافت جدًا، لكنه واضح. صوت طفلة تبكي.
كان الصوت يأتي من غرفة جانبية، بابها نصف مفتوح.

وفي داخله، تشابكت مشاعر كثيرة؛ الخوف، الفضول، والقلق. لكنه كان يعرف أنه لا يستطيع تجاهل بكاء ***، حتى لو كان في عالم لا ينتمي له.

دفع الباب ودخل.

الغرفة الأولى: الوجوه المعلَّقة

كانت الغرفة صغيرة نسبيًا، لكن سقفها عالٍ بشكل غير منطقي، كأن ارتفاعها يصل إلى عشرات الأمتار. ما إن رفع المصباح حتى تجمد في مكانه.

الغرفة لم تكن فارغة.

على الجدران، وعلى السقف، وعلى الأعمدة المتآكلة، كانت وجوه بشرية… وجوه حقيقية، أو هكذا بدت. بعضها معلّق كالأقنعة، وبعضها مغروس داخل الحجر، كأنها جزء منه. العيون مفتوحة، تحدق إلى الأمام دون رمشة واحدة.
وبين الوجوه، كانت هناك طفلة تجلس في زاوية الغرفة، وظهرها إلى الجدار. كانت ترتجف، وتخفي وجهها بين يديها، وتصدر منها شهقات بكاء مكتومة.

اقترب سامح منها ببطء:
"انتي كويسة؟"

رفعت الطفلة رأسها ببطء شديد، حتى شعر وكأن الحركة ستبقى محفورة في ذاكرته للأبد. وجهها كان جميلًا وهادئًا، لكن عينيها… لم تكن طفلة في عينيها.
كان فيهما عمق لا يتناسب مع عمرها، عمق ثقيل، كأنه مرّ على قرون وليس سنوات.

قالت بصوت متقطع:
"ليه جيت؟"

ردّ سامح:
"سمعتك بتعيطي… انتي ضايعة؟ محتاجة مساعدة؟"

مسحت الطفلة دموعها، ثم أشارت إلى الجدران بصوت منخفض:
"هيفضلوا يبصّوا عليك… ما يحبوش حد يدخل هنا."

ابتلع سامح ريقه:
"مين 'هما'؟"

لكن الطفلة لم تجب.
بدلًا من ذلك، نهضت واقتربت من الجدار. وضعت يدها الصغيرة على إحدى الوجوه المعلّقة، فانفتح فم الوجه فجأة، وتنفس… نعم، تنفس.
وسمع سامح صوت هواء يخرج من الفم المفتوح، كأنه يطلق أنفاسًا متقطعة منذ سنوات.

تراجع سامح للخلف، وقلبه يخفق بعنف، بينما قالت الطفلة:

"دي وجوه اللي حاولوا يعدّوا… ملحقوش."



تغير الهواء… وتغيرت الطفلة

قبل أن يتمكن سامح من الرد، لاحظ أن وجه الطفلة أصبح شاحبًا جدًا. بدأت عروق زرقاء تظهر على رقبتها وذراعيها، والهواء حولها صار أبرد.
تراجعت خطوة، ثم همست:

"هيرجعوا… لو سمعونا."

سألها سامح بخوف:
"مين اللي هيرجع؟"

نظرت الطفلة خلفه وقالت بصوت مبحوح:
"الحُجّاب."

لم يستطع سامح منع نفسه من الالتفات.
لم يرَ أحدًا، لكن الظلام بدا حيًا… كأنه يتنفس. شعر بوجود ثقيل، يتقدم ببطء خلفه.

بصوت خافت جدًا قالت الطفلة:
"اجري…"

أمسك سامح بيدها وجرى.
خرج من الغرفة، لكن الممر لم يعد كما كان. أصبحت الجدران أقرب، الخطوط المضيئة تتحرك كأنها ديدان تتلوى، والظلال تتقدم نحوهما بلا صوت.

كانت الطفلة تركض بجانبه، لكنها فجأة توقفت.
نظر إليها سامح وهو يلهث:
"يلا! لازم نخرج!"

هزت رأسها:
"أنا ما ينفعش… أنا مش زيّك."

وبينما كان يحاول فهم كلامها، بدأت قدماها تختفي… تتحول إلى دخان خفيف، ثم ساقاها، ثم جذعها.
صوتها أصبح يأتي من مكانين في نفس اللحظة، كأنه يتردد بين عالمين:

"ما تجيش هنا تاني… لو دخلت أكتر، مش هتعرف ترجع."

ثم اختفت تمامًا، وبقي صوت واحد فقط في الممر… صوت خطوات تقترب.



الهروب عبر الذاكرة

ركض سامح دون أن يفكر، لكن الممر اختفى فجأة، وتحول إلى قاعة واسعة مضاءة بخيوط ضوء متقاطعة. في منتصف القاعة، كان هناك شيء يشبه المسرح الحجري. وعلى منصة مرتفعة، كانت هناك مرآة كبيرة، محاطة بإطارات نحاسية منقوشة برموز تشبه تلك التي رآها في الغرفة السابقة.

اقترب من المرآة رغم خوفه؛ فقد شعر أنها الوحيدة التي لا تتحرك في هذا المكان الحيّ.

وحين وقف أمامها… تجمد.

لم يرَ انعكاسه.

بل رأى نسخة أخرى منه، تقف في مكان مشابه تمامًا، لكنها كانت ترتدي ملابس مغايرة قليلًا، وجهها متعب، وعيناها شاحبتان.
كانت النسخة الأخرى تحدق فيه بصمت ثقيل… حتى رفعت يدها ببطء، وكأنها تريد لمس الزجاج من الجانب الآخر.

مدّ سامح يده هو الآخر، وعندما اقتربت أصابعه من سطح المرآة، اهتز الضوء حول القاعة، وارتفع صوت همهمة عميقة، وكأن الجدران تعترض على ما يحدث.

لكن قبل أن يلمس الزجاج، سمع صوتًا من خلفه:

"إبعد! دي مش مرايتك."

استدار سريعًا، فوجد رجلاً يقف في زاوية القاعة. كان طويلًا، نحيلًا، ملتحيًا بلحية قصيرة غير مرتبة. يرتدي ثوبًا رماديًا ممزق الأطراف، وعيناه تلمعان بتوتر وخوف.

قال الرجل وهو يقترب ببطء:
"لو لمستها… هتتبّدل بيها."

– "إيه؟!"
– "ده عالم مرآوي… كل حاجة ليها انعكاس. بس المشكلة إن الانعكاسات هنا… مش دايمًا بشر."

نظر سامح إلى المرآة مرة أخرى، فوجد انعكاسه — أو ما ظنه انعكاسه — قد اختفى، وظهر مكانه وجه آخر… وجه بلا ملامح.

سحب سامح يده بسرعة، بينما قال الرجل:
"تعالى من غير ما تبصّ وراك."



رجل الظلال

تبعه سامح وهو يحاول السيطرة على نبض قلبه.
سأله:
"إنت مين؟"

رد الرجل:
"زيّك… ضيف. أو أسير. حسب ما تعتبر."

– "أسر؟! مين بيحبس الناس هنا؟"

هز الرجل رأسه:
"مش واحد… كيان. بيغذي المكان ده. بيكبر لما حد يخاف. والناس اللي بيدخلوا هنا… يا بيتاكلوا، يا بيتسجنوا زي الوجوه اللي شوفتها."

توقف سامح فجأة:
"والطفلة؟ هي راحت فين؟"

نظر الرجل إليه ببطء، وقال:
"مافيش طفلة. أنت شفت انعكاس… مش روح."

– "انعكاس؟!"

ابتسم الرجل بسخرية حزينة:
"انعكاسات المكان بتتشكّل من خوفك… ومن ذكرياتك. المكان بيحاول يفصلك عن نفسك. لو صدّقت أي حاجة تشوفها… انتهيت."

سار الرجل أمامه، وهو يواصل:
"بس الغريب إنك لسه واقف. أغلب اللي يدخلوا هنا بيتكسروا من أول خطوة."

سأله سامح بتردد:
"أنا… ليه دخلت أصلاً؟"

توقف الرجل، ثم قال بجدية:
"ده اللي عايز أعرفه أنا كمان."



العلامة

وصلا إلى غرفة كبيرة، فيها رمز دائري محفور على الأرض. خطوطه متشابكة، معقدة، وكأنها متاهة صغيرة.

قال الرجل:
"ادخل في الدايرة… لو المكان قابل وجودك، هينور."

– "ولو رفض؟"

نظر الرجل إلى السقف، ثم قال بهدوء مريب:
"المكان مش بيرفض بهدوء."

تنفس سامح بعمق، وتقدم داخل الدائرة.
وما إن وطأت قدمه مركزها… حتى اهتزت الأرض تحت قدميه، وارتفع ضوء قوي من الرموز، ثم انطفأ بعد لحظة.

قال الرجل بدهشة حقيقية:
"أول مرة أشوف دايرة تستجيب لحد جديد."

اقترب من سامح وسأله:
"اسمك إيه؟"

– "سامح… وانت؟"

ابتسم الرجل للمرة الأولى:
"اسمي رائف. وأنا هنا بقالي… ماعرفش كام سنة. الزمن هنا مختلف."

ثم جلس على الأرض متعبًا:
"واضح إنك مش مجرد واحد دخل بالغلط."

سأله سامح بتردد:
"تقصد إيه؟"

رد رائف:
"العلامة اللي على ضهرك… شفّت جزء منها وأنا داخل."

تفاجأ سامح:
"علامة؟!"

– "أيوه… علامة مش مرئية للناس العادية. بس المكان شايفها. وده السبب إنه ماكلّكش لحد دلوقتي."

اقترب رائف، وحدق في عيني سامح:
"أنت… مطلوب هنا. ومش من المكان… من اللي بيحكمه."



نهاية الجزء الرابع

الجزء الخامس: حارس العتبة

كان الصمت في الغرفة التي يقف فيها سامح ورائف ثقيلاً، مكثّفًا، كأنه طبقة من الهواء تُسحق فوق صدريهما. الضوء الذي انبثق من الدائرة قبل لحظات ما زال يتلاشى تدريجيًا، تاركًا وراءه أثرًا مشوبًا بالرهبة.
جلس رائف على طرف الدائرة، وأخذ ينظر إلى سامح بتوجس، كأنه يحاول أن يقرأ صفحات غير مرئية على وجهه.

قال سامح بنبرة منزعجة:
"علامة إيه اللي على ضهري؟ أنا ماعنديش أي حاجة!"

ابتسم رائف ابتسامة صغيرة خالية من الفرح:
"لأنها مش علامة من عالمك… دي بصمة. بتظهر بس في الأماكن اللي زي دي."

اقترب منه، ومدّ يده نحو ظهر سامح دون أن يلمس، بل توقف قبل أن تصل يده لثيابه كأنه يتجنب شيئًا.
قال همسًا:
"شايف بصمة نور… ومش نور عادي. ده نور مشيّش، مختلط بظلمة."

لم يفهم سامح شيئًا، لكن قلبه بدأ يدق بعنف، وكأن جسمه يعرف ما لا يعرفه عقله.
تنفس بعمق وقال:

"يعني إيه الكلام ده؟"

رد رائف:
"يعني إن حد فتحلك الباب… وحد تاني حاول يقفله. وأنت واقف في النص، بين قوتين مش متفقين."

اقترب سامح منه بسرعة:
"حد فتحلي الباب؟ مين؟"

أشار رائف نحو الدائرة:
"المكان ده ما بيفتحش لأي حد. لازم حد يكون من 'أهل العتبة'… أو يكون ليه ارتباط قديم… إرث… بصمة."

ضحك سامح بسخرية:
"يا عم أنا راجل عادي! ساكن في سيدي بشر وبروح شغلي بالعافية. إيه الارتباط اللي تتكلم عنه؟"

اقترب رائف ببطء، ثم قال بصوت منخفض:
"أبوك… كان ليه علاقة بالمكان ده؟"



صدع في الذاكرة

تجمد سامح.
لم يكن السؤال غريبًا فحسب… بل كأنه أصاب نقطة دفينة داخله لا يعرف كيف يفسرها.

همس:
"أبويا؟… لا… ما كانش ليه علاقة بحاجة زي دي."

رفع رائف حاجبه:
"أكيد؟"

تنهد سامح:
"أبويا مات وأنا صغير… مافكرش عنه غير حاجات بسيطة."

سأله رائف بحدة غير متوقعة:
"كان بيشتغل إيه؟"

رد سامح بلا تفكير:
"مدرس…"

ثم توقف.
لماذا أحس أنه يكذب؟
ولماذا لم يبدُ الجواب مقنعًا لنفسه؟

لاحظ رائف الارتباك في وجهه، فقال:
"مش لازم الأب يعلم ابنه كل حاجة. في ناس… بتسيب عند أولادها حاجات من غير ما يفهموها. البصمة اللي على ضهرك… مش معمولة ليك. معمولة لحد قبلك."

بدأ رأس سامح يدور.
جلس على الأرض وأمسك رأسه بين يديه:

"طب… افترض إنها بصمة… وبافتراض إن أبويا ليه علاقة… إيه معناها؟ وإيه علاقتها بالمكان ده؟"



مدينة بلا زمان

جلس رائف بجانبه، وأدار نظره حول الغرفة قبل أن يتكلم، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد:

"المكان اللي انت واقف فيه… مش مدينة، مش سجن… ومش عالم تاني على الحقيقة. ده نقطة بين العوالم. 'عتبة' زي الباب. واللي بيملك العتبة… يقدر يشوف أكتر مما تتخيل."

– "يعني المكان ده له حاكم؟ حد بيسيطر؟"

هز رائف رأسه:
"أكتر من واحد… بس في واحد أعلى منهم. اسمه: حارس العتبة."

تغير الهواء فجأة حين نطق الاسم.
كأن الرخام الموجود تحت أقدامهما ارتجف للحظة قصيرة.

سأل سامح:
"والحارس ده… عايز مني إيه؟"



الرؤية الأولى

قبل أن يجيب رائف، بدأت الرموز المحفورة حول الغرفة تصدر ضوءًا خافتًا، واحدًا تلو الآخر، كأنها تستيقظ من سبات عميق.

وظهر فوق الدائرة ضباب أسود، يتشكل ببطء.
ضباب يتحرك كأنه أراد أن يصبح شخصًا… أو ظل شخص.

تراجع رائف بسرعة:
"إبعد! ده مش وقت ظهور!"

لكن الضباب أخذ يتكثف.
وما إن أصبح بارتفاع مترين فوق الأرض، حتى تشكلت فيه عينان… عينان بلا بياض، بلا لون… مجرد دوائر سوداء أعمق من الظلام نفسه.

تكلم الصوت من داخل الضباب بصوت يضغط على العظام قبل الأذن:
"سامح بن إبراهيم…"

تجمد سامح.
لم يخبر رائف باسم أبيه.
ولم يخبر أحدًا هنا بالاسم أصلًا.

ارتفع الصوت أكثر:
"جئتَ بعد تأخر… ولكن البصمة جاءت قبلك."

سأل سامح بصوت يرتجف:
"انت… مين؟"

وتحرك الظل خطوة نحوه، فبدت الأرض وكأنها تذوب تحت قدميه:

"أنا… ظل الحارس."



لغة لا يتقنها البشر

لم يتحرك سامح، وكأنه مسمّر في الأرض.
رائف حاول أن يقف أمامه، لكن الظل دفعه بقوة غير مرئية ارتطمت به بالجدار.

صرخ سامح:
"سيبه!!"

لكن الظل تجاهله.
اقترب أكثر منه، حتى أصبح لا يفصله عنه سوى بضع سنتيمترات.
لو مدّ يده ربما يلمس هذا الضباب… ويتحول معه إلى جزء منه.

تحدث الظل بلغة ليست لغة… أصوات داخلية، كأنها تأتي من داخل رأس سامح:

"بصمة الأب… لم تكتمل… كان سيعود… لكنه اختار الباب الآخر."

حاول سامح أن يفهم:
"باب تاني؟ أي باب؟"

لكن الظل لم يسمعه.
يكاد يكون في عالم آخر وهو يتكلم.

"حارس العتبة… يعرف إرثك… ويعرف ضعفك."

– "ضعفي؟"

"ذاكرتك… ليست كاملة."

ارتجف قلب سامح.
هل كان هذا صحيحًا؟ هل كانت هناك أشياء في طفولته… مطموسة؟

تابع الظل:
"أبوك… لم يمت كما تظن."

صرخ سامح:
"اتكلم بوضوح!"

لأول مرة… تحرك الظل خطوة للخلف، كأنه يعيد تشكيل نفسه. ثم تمدد خارج جسده كخيوط دخان تتفرع في الهواء، قبل أن يعود ويتجمع.

وقال:

"أبوك… عاد. ولكنه لم يعد مع البشر."



انشقاق الأرض

قبل أن يستوعب سامح معنى الكلام، اهتزت الأرض بقوة.
الرموز على الأرض بدأت تتوهج بشدة حتى أصبحت كأنها خطوط من نار.
وصوت طَقطَقة حجرية ارتفع من الجدران.

تراجع الظل فجأة… كأنه قطع حديثه اضطرارًا.
وكأنه شعر بشيء أكبر منه يقترب.

ثم قال بصوت شديد الانخفاض:

"الحارس… قادم."

وأصبح الضباب خفيفًا، ثم تلاشى بسرعة كما لو أن أحدهم شفطه من الهواء.

صرخ رائف وهو ينهض بصعوبة:
"لازم نمشي! دلوقتي فورًا!"

جرّ سامح من ذراعه، وبدأ يركض به خارج الغرفة.
الممرات حولهما بدأت تتلوى، الجدران تقترب، الأعمدة تتصدع، والصوت القادم من كل الاتجاهات كان يشبه هدير وحش يستيقظ.



باب بلا مقبض

وصلا إلى نهاية ممر طويل، جدرانه تهتز كأنها ستنهار.
وكان هناك باب حجري ضخم… بلا مقبض… بلا فتحات.

صرخ سامح:
"ده مقفول!"

وضع رائف يديه على الحجر، وأغمض عينيه:
"افتح… افتح… افتح…"

لم يحدث شيء.

تراجع رائف وقال بسرعة:
"إنت! حط إيدك!"

ارتجف سامح:
"ليه؟"

– "البصمة! الباب هيفتحلك أنت بس!"

وضع سامح راحته على الحجر.
وانتفاض الضوء كان فوريًا… كأن المكان يعرفه فعلًا.

انفلق الباب من المنتصف ببطء، وصوت احتكاك الأحجار كان يعلو بينما الارتجاج يزداد.

دخل الاثنان، وأغلق الباب خلفهما بنفس البطء المرهق.

وبمجرد أن أغلق…
توقف كل شيء.

الاهتزاز… الهدير… الضوء…
المدينة كلها صمتت.

كأنهم دخلوا عالمًا آخر.



الغرفة البيضاء

وجد سامح نفسه في غرفة مستديرة… كل شيء فيها أبيض.
الأرض… الجدران… السقف… حتى الهواء بدا لامعًا.

لا ظلال هنا.
ولا صوت.
ولا تشققات.
ولا عيون تراقب.

سأل سامح بذهول:
"إحنا فين؟"

رد رائف وهو يتنفس بصعوبة:
"دي… غرفة النواة."

– "نواة إيه؟"

نظر إليه رائف بعينين متسعتين:
"نواة المدينة… قلبها… المكان الوحيد اللي يقدر يظهر فيه… حارس العتبة نفسه."

وقبل أن يسأل سامح أي سؤال آخر…
ظهر أمامهما ضوء في منتصف الغرفة.
ضوء لم يكن يشبه أي ضوء، لا أبيض ولا أصفر ولا أزرق… بل ضوء حيّ، يتحرك كقطرات سائلة.

وبينما يتجمع الضوء ويتحول إلى هيئة بشرية…
لاحظ سامح شيئًا.
شيئًا جعله يشعر لأول مرة منذ دخوله هذا العالم… بالخوف الحقيقي.

كان شكل الضوء… يشبه شخصًا يعرفه جيدًا.
يعرفه أكثر من أي شخص آخر.

شخص…
كان يجب أن يكون ميتًا.

قال رائف بصوت مبحوح:
"الحارس… اتجسّد."

لكن سامح لم يسمع.
لأن الضوء أخذ شكل رجل…
رجل بملامح أبيه.

ولم يقل سوى جملة واحدة:

"سامح… ليه اتأخرت؟"



نهاية الجزء الخامس

لجزء السادس: عودة من وراء العتبة

لم يسمع سامح ضربات قلبه بقدر ما شعر بها تضرب صدره من الداخل كأنها تحاول الهرب من جسده. الرجل الذي يتجسد أمامه من الضوء… له نفس ملامح أبيه. نفس العينين الداكنتين، نفس الانحناءة الخفيفة في حاجبه الأيسر، نفس الصوت تقريبًا…
لكن هناك شيء مختلف.
شيء يجعل الملامح مألوفة… وغريبة في آن واحد.

تقدم الرجل خطوة، فاهتز الضوء من حوله كأن الغرفة البيضاء نفسها تشهق.

قال بصوت هادئ، عميق، ثقيل:
"سامح… أنا كنت مستني اللحظة دي."

تراجع سامح خطوة:
"أنت… مين؟"

ابتسم الرجل بطريقة كانت تُطمئن سامح في طفولته… لكنها الآن أفزعته:
"أنا… زي ما انت شايف."

هز سامح رأسه:
"أبويا… مات."

– "مات… عندكم."
ثم أشار إلى الأرض البيضاء:
"مش هنا."

تدخل رائف بصوت يختلط فيه الخوف بالرهبة:
"انت… الحارس؟"

لم ينظر إليه الرجل، وكأنه لا يرى سوى سامح.
وقال بنبرة خفيفة لكنها حاسمة:

"أنا… واحد من الحراس. مش الحارس الأعلى. لكن… أنا اللي اخترت سامح."

تجمد سامح:
"اخترتني؟ ليه؟"

اقترب الرجل أكثر، حتى أصبح الضوء يلامس وجه سامح ويجعله يشعر بحرارة دافئة وغريبة في آن واحد:
"لأنك ابني."

ضربت الجملة الهواء كأنها صاعقة.
سامح شعر وكأن الغرفة تتسع وتضيق في نفس اللحظة.
معدته انقبضت… يديه ارتعشتا… وكل ذكرياته القديمة ارتفعت كفقاعات من الطين، مشوشة، ناقصة، متداخلة.

قال بصوت مكسور:
"أبويا… كان إنسان…"

اقترب الرجل لدرجة أن سامح شعر بحرارة تختلف عن حرارة البشر:
"كنت إنسان. لكن… فيه بوابات… بتغير اللي يعبر فيها. وأنا عبرت… وماقدرتش أرجع زي ما كنت."

بلع سامح ريقه:
"وليه سبتنا؟"

هنا انخفضت إضاءة الغرفة فجأة، وكأن المكان كله شعر بثقل السؤال.

قال الرجل بصوت متهدج، لأول مرة يشوبه ألم حقيقي:
"ماسبتكمش… اختفيت. والاختفاء… غير الهروب."



العتبة الأولى

جلس الرجل… أو الحارس… على الهواء.
نعم، جلس فعلًا دون أن يلمس الأرض، كأن الضوء نفسه صُنع ليحمله.

قال:
"لما كنت قدّك، كنت زيك… عادي. حياتي بسيطة. لحد ما شفت الباب لأول مرة."

سأله سامح بحدة:
"الباب اللي دخلت منه؟"

– "أيوه. لكن… أنا ما دخلتش الباب اللي دخلت منه انت. أنا دخلت غيره. باب من النوع اللي… ما ينفعش نقول اسمه."

تدخل رائف:
"المدخل المدفون…"

هز الحارس رأسه:
"أقدم من كده."

أغلق سامح عينيه، يحاول استيعاب:
"طب… ليه مصرّ تقول إني جاي هنا عشانك؟ وليه أنت أصلاً هنا؟ وإزاي بقيت… كده؟"

نظر الحارس إلى يديه… وهما تشعّان وتنبضان كأنهما تعيدان تشكيل الضوء كل ثانية:
"لأن العبور له ثمن. ولما تعبر… إما تبقى واحد من الظلال… أو تبقى واحد من الحراس."

– "وأنت اخترت تكون حارس؟"

ابتسم ابتسامة باهتة:
"الناس ماتختارش هنا… المكان هو اللي بيختار."



السبب الحقيقي

اقترب الحارس من سامح أكثر، ثم قال بصوت يكاد يكون همسًا:

"جيت هنا… لأن البصمة اللي على ضهرك… هي بصمتي."

تجمد سامح:
"إيه؟!"

– "البصمة اللي ظهرت عليك يوم ولدت… دي ماكانتش صدفة. دي علامة. علامة بتقول إنك… تقدر تعدّي."

تقدم خطوة:
"وأهم من كده… إنك تقدر ترجع."

ارتجف صوت سامح:
"طب لو أنا أقدر أرجع… ليه أنت ما رجعتش؟"

ساد الصمت.
صمت جعل صدر سامح يضيق.
ثم قال الحارس:

"لأن رجوعي… معناه إن المدينة تنهار."



نبوءة الباب المكسور

أشار الحارس إلى الجدران البيضاء:
"المدينة دي… مبنيّة على التوازن. لازم تفضل العتبة مستقرة. لو خرجت… اللي جه بعدي هيخرج… واللي جه قبلي هيصحى."

لم يفهم سامح:
"مين اللي قبلك؟"

رد رائف بسرعة، كأنه يخشى من الجواب أكثر من السؤال:
"الحارس الأول."

بدأ الضوء في الغرفة يرتجف.
وقال الحارس بصوت متوتر قليلًا:

"اللي قبلي… مش حيّ… ومش ميت… لكنه نايم. وصحِيانه يعني سقوط العتبة."

سأل سامح:
"طب أنا إيه دخلي بكل ده؟"

اقترب الحارس منه حتى أصبحت وجهاهما شبه متلامسين:
"لأنك الوريث الوحيد للبصمة. ولو ما دخلتش… العتبة هتنهار. ولو انهارت… العوالم هتتقاطع. وظلال كتير… هتعدي عندكم."

رفع سامح صوته:
"وأنا أعمل إيه؟! أنا مش حارس ولا فاهم نص اللي بتقوله!"

– "عشان كده جبتك."



الاختيار

رفع الحارس يده اليمنى.
وظهر في الهواء شكل دائري مضيء… يشبه ختمًا أو نقشًا سماويًا يتحرك داخل بعضه.

ثم قال:

"قدامك اختيارين يا سامح…"

أحس سامح بأن الهواء صار أثقل.
رائف بدوره تراجع للوراء كأنه يعرف ما سيأتي.

قال الحارس:

"إما… ترجع لعالمك. وتعيش حياتك… وتنسى كل ده."

أشرق الضوء للحظة… قبل أن يخفت.

"أو… تكمّل هنا. وتتعلم… وتستعد… وتاخد مكاني لما يحين الوقت."

ارتعش سامح:
"تاخد… مكانك؟ يعني أبقى حارس؟"

– "مش دلوقتي. مش بكرة. لكن في النهاية… لازم واحد من ددممّي ياخد مكاني. وإلا… تِسيب العتبة تنهار."

لم يتحرك سامح.
الكلمات سقطت على قلبه كحجارة.
العالمان يدوران في رأسه.
حياته البسيطة… عمله… أخته… ذكرياته…
وكل شيء هنا… هذا المكان… الظلال… البوابة… رائف… الوجوه… الطفلة…
وأبوه… حيّ… أو ما يشبه الحيّ.

سأل سامح بصوت منخفض:
"ولو اخترت أرجع… هتشوفني تاني؟"

طأطأ الحارس رأسه، ولأول مرة… بدا عليه الأسى الحقيقي:
"لا."

وانخفض الضوء حوله كأنه ينهار من الداخل.

"لأن العودة… تقطع كل خيط بين العالمين."



عودة غير مكتملة

تقدم سامح خطوة، ثم سأل:

"طب… لو اخترت أكمل هنا… هقدر أشوف أهلي؟ أرجع لبلدي؟"

هز الحارس رأسه ببطء:
"هتقدر… لكن مش دلوقتي. العتبة لازم تتعرف عليك الأول. لو خرجت قبل ما تتعلّم… الظلال هتمشي وراك."

ارتجف سامح.
رائف أشار إليه قائلاً:

"ما تتسرّعش… القرار ده مش قرار يوم. ده قرار مصير."

لكن الحارس مد يده إليه:
"اختيارك… لازم يتم دلوقتي."



النهاية المفتوحة للجزء السادس

وقف سامح بين عالمين.
بين حياة يعرفها… وحياة لا يفهمها.
بين أب ميت… وأب يقف أمامه الآن.
بين خوف… وقدر.

ومد الحارس يده، وقال:

"سامح… قول."

هل سيعود؟
أم يكمل؟

الجزء السابع: قرار لا عودة فيه

كان الصمت يطبّق على المكان كأن العتبة نفسها تحبس أنفاسها، تنتظر كلمة واحدة من سامح.
الحارس ما زال يمد يده، والضوء يتراقص حول أصابعه، بينما رائف يقف خلف سامح وكأنه يحاول بمجرّد نظراته أن يمنعه من التهور.

سامح شعر بشيء يشدّه في اتجاهين متضادين:
جزء منه يريد القفز، اختيار المجهول، اكتشاف ما لم يُكتشف…
وجزء آخر يتمسك بذكرياته، بأخته، ببيته القديم، حتى بالمشاوير البسيطة التي كان يلعنها في حياته العادية.

قال في نفسه:
"هو أنا أصلاً مين؟ اللي هنا… ولا اللي هناك؟"

رفع رأسه، ونظر مباشرة إلى ملامح الرجل الذي يشبه أباه…
الرجل الذي كان يعرفه… أو يظن أنه يعرفه.

فسأله:
"قبل ما أختار… عايز أعرف… أنت اتغيرت قدّ إيه؟ يعني… أنت لسه أبويا؟ ولا بقيت حاجة تانية؟"

تنفّس الحارس ببطء شديد.
والضوء حوله خفت للحظة، كأنه يحزن.

"أنا… أبوك. بس أبوك اللي شاف حاجات… ماينفعش بشر يشوفها. أبوك اللي اضطر… يسيب جزء منه ورا الباب. واللي رجع… أو اللي بقي هنا… ما يشبهش الإنسان بالكامل."

اقترب أكثر:
"بس مش معنى كده إني نسيتك. ولا نسيت أختك. ولا يوم من أيامكو."

هذه الكلمات اخترقت قلب سامح كالسهم.
لم يعد يرى الحارس… بل رأى الذكرى الأولى لوجه أبيه وهو يبتسم له يوم دخوله المدرسة.
ضحكة قصيرة… يده التي كانت تضرب على كتف سامح بخفة…

سامح قال بصوت منخفض:
"طب… كنت فين؟ ليه ما حاولتش ترجع؟ ليه سبتنا نتعذب بفكرة إنك ميت؟"

رد الحارس وهو يطأطئ رأسه لأول مرة:
"كنت محبوس جوّا الدور اللي أنا فيه. الحارس ماينفعش يخرج. ولو خرج… الباب هيفضل مفتوح. وأنا كنت وقتها… لسه مش فاهم اللي حصل لي. لو كنت رجعت… كنت هسحب ورايا ظلال… كانت هتضيعكم. كنت هدمّر العالمين."

تمتم سامح:
"يعني لو اخترت أرجع… ممكن أدمّرهم برضه؟"

– "لو رجعت دلوقتي… أيوه."

تقدّم رائف قليلاً، وقال بصوت خافت:
"سامح… اسمعني. أنا مش هقول لك تختار إيه. بس أنا شفت ناس اخترت غلط… وعرفت آخرهم كان إيه."

سامح التفت له:
"آخرهم كان إيه؟"

أغمض رائف عينيه لحظة:
"بيتسحبوا. حرفيًا. الظلال تمشي وراهم… لحد ما يغلطوا… ولما يغلطوا مرة واحدة بس… يتحوّلوا لجزء من العتبة. مش بيرجعوا لا هنا ولا هناك."

ابتلع سامح ريقه.



علامة البصمة

رفع الحارس يده، فظهر نقش ضوئي معقد في الهواء.
ثم مد يده نحو ظهر سامح.

وبلمسة خفيفة… اشتعلت البصمة التي على ظهره بنور قوي…
نور كأنه يحمل لغة لا يفهمها البشر.

سامح صرخ قليلًا من شدّة الحرارة، لكنها سرعان ما اختفت، تاركة شعورًا غريبًا… كأن شيئًا ما استيقظ داخله.

قال الحارس:

"العلامة… جزء منك. لو رجعت قبل ما تسيطر عليها… الرؤية اللي جت لك في الشارع هتتكرر."

تذكر سامح يوم رأى الرجل بلا وجه…
يوم كان يركض بين الناس ولا أحد يراه.

ارتعش جسمه.

الحارس تابع:
"هتشوف ناس… مش ناس. وهتشوف ظلال… مش من عالمك. والبوابات هتتفتح من بعيد… وانت هتبقى نقطة ضعف فيها."

سامح بصوت متوتر:
"ولو اخترت أكمل؟"

– "هتتعلّم توصل للعلامة. تسيطر عليها. وتدخل البوابة وتخرج منها بأمان. وهتقدر تزور عالمك تاني… لما ييجي الوقت."



اللحظة التي حُفرت في العتبة

قال رائف فجأة:
"استنى!"

نظر إليه سامح والحارس معًا.

اقترب رائف من سامح وقال له:

"قبل ما تختار… لازم تعرف حاجة: مش كل اللي بيدخل العتبة بيلاقي أجوبة. ساعات… تلاقي أسئلة أكتر."

سامح سأله:
"وأنت لقيت إيه؟"

ضحك رائف ضحكة قصيرة جدًا، مليانة سخرية وحزن:
"أنا… كنت هارجع. بس… شفت نفسي هناك. أو النسخة اللي كنت هبقى عليها. وماعجبنيش اللي شفته."

سامح اتسعت عيناه:
"شفت نفسك؟"

هز رائف رأسه:
"العتبة بتوريك اللي ممكن تكونه… لو رجعت. وبتوريك اللي هتبقى عليه… لو كملت."

سامح قال:
"طب… ورّتني أنا إيه؟"

ابتسم رائف ابتسامة صغيرة غامضة:
"انت لسه جديد. ولسه العلامة عندك نايمة. العتبة ما تقدرش تكشف كل حاجة مرة واحدة. لكن… واضح إنها اخترتك… لأنها عايزة حد من ددمم الحارس يكمل في دوره."

الحارس أضاف:
"وأنا… مش هفضل هنا للأبد."

كان صوته يحمل شيئًا يشبه الوداع.



الاختيار الحاسم

أغمض سامح عينيه.
رأى كل شيء…

أخته
الشارع
الباب القديم
الضوء
الطفلة اللي كانت تصرخ
الرجل اللي مالهش وجه
الحارس
أبوه
والبصمة على ظهره التي بدأت تشعره بصوت خافت… كنبض داخل جلده.

فتح عينيه ببطء.
ونظر إلى الحارس.

وقال:

"أنا… اخترت."

تجمد الحارس.
رائف كتم أنفاسه.

سامح أكمل:

"أنا… مش ههرب."

ثم مد يده — ببطء، ولكن بثبات — ووضعها في يد الحارس الممدودة.

وفجأة…



التحوّل

اشتعل الضوء في المكان.
الغرفة كلها اهتزّت.
الجدران البيضاء تحولت إلى ضوء سائل يتحرك في دوائر متناسقة حول سامح والحارس.

رائف سقط على ركبتيه من شدة قوة النور.

والحارس قال بصوت أقرب للهمس:

"العتبة… قبلت اختياره."

انطلقت موجة من الضوء عبر يد سامح…
وصلت إلى كتفه… ثم صدره… ثم انتشرت عبر جسده كله.

سامح لم يشعر بالألم…
لكنه شعر كأن شيئًا يتسع داخله
كأن العالم صار أكبر… أو هو صار أكبر من العالم.

سمع همسات… لكنها ليست همسات بشرية.
صوت كأنه لغة قديمة تُقال عبر آلاف السنين.

الحارس قال:

"من اللحظة دي… انت جزء من العتبة. والعتبة… جزء منك."

فسأل سامح بصوت متقطع:

"ده… معناه إيه؟"

– "هتفهم. خطوة بخطوة. بس أول درس… هيكون الليلة."

تراجع الحارس خطوة للخلف.
ثم نظر له نظرة طويلة… نظرة أب يرى ابنه يكبُر فجأة في لحظة واحدة.

وقال:

"مرحلة الرجوع انتهت. من هنا… يبدأ التدريب."

والغرفة البيضاء… انشقت.



نهاية الجزء السابع

انشقّ الضوء ليكشف عن طريقٍ آخر لم يرَه سامح من قبل…
طريق من الظلال المتوهجة…
وخطوات غريبة تتحرك فيه دون أن تُرى بوضوح.

والحارس قال:

"استعد يا سامح… لأن اللي جاي… مش مجرد تدريب. ده الامتحان اللي هيحدد… مصير العتبة كلها."

الجزء الثامن: الطريق الذي لا يرى صاحبه

لم يكن سامح يتخيل أن الضوء يمكن أن ينفتح مثل ستارة تتحرك بلا يد.
لكن ما حدث أمامه كان أبعد من الخيال؛ الضوء انشق بصمت تام، تاركًا خلفه ممرًا طويلًا لا يعرف بدايته من نهايته.
الممر لم يكن مظلمًا…
ولم يكن مضيئًا…
بل كان شيئًا بينهما، كأن الظلال نفسها تعلمت أن تتوهج.

وقف سامح في بداية الطريق، والحارس يقف بجانبه، بينما يقف رائف خلفهما كأنه لم يعتد المرور من هذا الطريق رغم أنه من أهل العتبة.

قال الحارس:
"من اللحظة دي… تدريبك الحقيقي يبدأ."

سامح حاول أن يكتم ارتجاف يده.
قال بتوتر:
"إيه ده بالظبط؟ طريق؟ ولا… حاجة تانية؟"

ابتسم الحارس ابتسامة صغيرة، خالية من أي دفء:
"ده مش طريق. ده اختبار. وكل خطوة فيه… بتقيس حاجة فيك."

سامح التفت إلى رائف:
"وانت عديت من هنا قبل كده؟"

رائف أخفض نظره:
"عدّيت… ورجعت. لكن… ماكملتش."



خطوة أولى… غير ثابتة

تقدم الحارس ودخل الطريق دون أن يلتفت.
وبحركة واحدة أشار لسامح أن يتبعه.

اتخذ سامح خطوة داخل الممر…
وفي اللحظة التي لامست فيها قدمه الأرض، شعر كأن الأرض ليست أرضًا.
لم تكن صلبة… ولم تكن رخوة…
كانت كأنها تتنفس تحته.

ارتجف جسده، لكنه تابع السير.

بعد بضع خطوات، لاحظ شيئًا أغرب:
صوت خطواته… لا يصدر.

كأنه يسير… بلا أثر.

سأل بصوت خافت:
"ليه رجلي مش بتعمل صوت؟"

رد الحارس:
"الطريق ده… ما يسمعش. الطريق… يشوف."

سامح توقف:
"يشوف إيه؟"

ابتسم الحارس ابتسامة أوسع:
"يشوفك أنت."



الرؤية الأولى

فجأة، بدأ الهواء يتكثف أمام سامح.
تجمّع في نقطة واحدة… ثم امتد، وأخذ شكلًا بشريًا…
شبيهًا به.

كان يقف أمامه الآن…
نسخة منه.
نفس الملامح.
نفس الشعر.
نفس كل شيء…
عدا شيء واحد:

عيني النسخة كانت سوداء تمامًا.

تراجع سامح خطوة:
"إيه ده؟!"

قال الحارس:
"ده أول اختبار. الطريق بيورّيك جزء منك… أنت مش شايفه."

سامح نظر للنسخة السوداء، وقال للحارس:
"دي مش أنا!"

– "هي أنت… بس اللي جواك. مش اللي براك."

النسخة تقدمت خطوة.
وصوتها خرج مكسورًا كأن الكلمات تتساقط من عمق بئر:

"إنت… خايف."

سامح شعر بقشعريرة.
النسخة أكملت:

"خايف من الباب. من العلامة. من الحقيقة. من إنك تكون… زي أبوك."

سامح صرخ فيها:
"اسكتي!"

لكن الحارس قال:
"ماينفعش. لازم تسمع كل كلمة. الطريق مش هيختبر قوتك… هيختبر حقيقتك."

النسخة تقدمت أكثر، حتى صارت على بُعد خطوة واحدة.
وقالت بصوت أقرب للهمس:

"أنت… من جواك عايز تهرب. حتى بعد ما اخترت."

سامح شعر أن الكلمات تضرب صدره مثل مطر ثقيل.
الرؤية كانت واضحة جدًا… كأن الطريق يعرفه أكثر مما يعرف نفسه.

لكن النسخة فجأة تغيّرت.
وجهها اتسع…
فمها انفتح بطريقة غير طبيعية…
وصوتها تحول لصوت غليظ:

"وأنا… الهروب اللي ساكن فيك!"

قفزت عليه.



التحام الظلال

سامح لم يفكر.
رفع يده instinctively — دون أن يعرف كيف — وإذا بنور خافت ينطلق من كفه، كأنه نبض العلامة داخله.

النسخة ارتدت للخلف، لكن لم تختفِ.

الحارس قال بصوت ثابت:
"استخدم العلامة."

سامح صرخ:
"ازاي؟! أنا معرفش أتحكّم فيها!"

– "جرب. الطريق نفسه… هيعلّمك."

النسخة هجمت مرة أخرى، وفي لحظة الهجوم…
شعر سامح بحرارة في ظهره.
البصمة اشتعلت.

رفع يده لا إراديًا…
وانفجر من كفه ضوء أقوى هذه المرة.

النسخة ذابت في الهواء…
كأن الضوء محاها.

اختفت بالكامل.

سامح وقف يلهث، وقلبه يكاد يخرج من صدره.
بينما قال الحارس:

"أول خطوة… نجحت."

رائف ابتسم بفخر خفيف:
"مش بطّال يا سامح…"

لكن سامح لم يشعر بأي فخر.
كان يشعر بشيء آخر…

أن هذا الطريق… لا يختبر قوته فقط. بل يفتح داخله أبوابًا لم يكن يعلم بوجودها.



الرؤية الثانية: ما لم يكن يعرفه

تابع الثلاثة السير.
الممر بدا وكأنه يتغيّر في كل خطوة؛ مرة يصبح أوسع، ثم يضيق حتى يشعر سامح أنه لن يستطيع التنفس.

وفجأة…
ظهر شيء آخر أمامه.

ليس نسخة منه هذه المرة.
بل ذكرى.

ذكرى من يومٍ قديم…
يوم وفاة أبيه.

سامح رأى نفسه ***ًا…
واقفًا أمام باب المستشفى…
وأخته تمسك بيده.
وأمه تبكي داخل غرفة صغيرة.

لكن هذه النسخة من الذكرى… لم تكن نسخة كاملة.
كل الوجوه كانت بلا ملامح.

سأل سامح بصوت خافت:
"ليه… مالهمش ملامح؟"

رد الحارس:
"لأن دي مش ذكرى كاملة. دي ذكرى أنت نسيت جزء منها… والعتبة بتعيدها."

سامح اقترب من نفسه الطفل…
رأى الطفل ينظر حوله بخوف…
يبحث عن أحد…

سأل الحارس:
"هو… كنت بدور على مين؟"

الحارس لم يجب.
بل قال:
"شوف."

وفجأة… ظهر رجل وسط الذكرى.
ليس بلا ملامح…
ولا مظلمًا…

بل واضحًا جدًا.

كان أبوه.

سامح صرخ:
"أبويا؟! بس ده اليوم اللي مات فيه!"

الرجل — والنسخة من الأب — ركع إلى مستوى الطفل، ووضع يده على كتفه.

لكن الغريب أن الطفل… لم يره.

سأل سامح، صوته يرتجف:
"هو… كان واقف فعلاً؟ ولا ده طريق بيخدعني؟!"

قال الحارس:
"لا. ده حصل."

سامح جف حلقه:
"إزاي؟!"

– "أبوك عبر قبل ما جسمه يموت. جسمه اللي في مستشفاكم… كان مجرد غلاف. لكن روحه عبرت. جه يقول وداع… وأنت ما كنتش شايفه."

سامح شعر أن قلبه ينشق نصفين.
لم يعرف أنه بكى… إلا عندما شعر بدمعة ساخنة تنزلق على وجنته.

قال بصوت متحشرج:
"كنت ***… كنت محتاجه… وكنت فاكر إنه اختفى."

اقترب الحارس منه ببطء:

"هو ما اختفاش. أنت بس… ماكنتش تقدر تشوفه."

ثم أشار إلى الطريق:

"دلوقتي… تقدر."

اختفت الذكرى مثل دخان.
وظهرت مسافة جديدة من الطريق أمامهم.



الرؤية الثالثة: اختبار الحقيقة

بعد عشرات الخطوات…
الطريق توقف.

أمامهم باب ضخم.
ليس بابًا من خشب… ولا من حجر…
بل باب مصنوع من ظلال تتحرك باستمرار كأنها تحاول تشكيل نفسها.

على الباب نقش واحد:
“ادخل وحدك”.

سامح التفت للحارس:
"يعني إيه وحدي؟"

رد الحارس ببطء:
"الجزء ده… ماحدّش يقدر يعدّيه غير صاحب العلامة."

رائف رفع حاجبيه:
"ده اختبار الحقيقة يا سامح."

سامح شعر بتوتر يضغط على صدره:
"وإيه اللي جوه؟"

الحارس أجاب:
"الحقيقة اللي بتهرب منها."



النهاية المفتوحة للجزء الثامن

سامح وقف أمام الباب…
يده ترتجف…
وصدره يرتفع ويهبط بسرعة.

مد الحارس يده إلى كتفه وقال:

"متخافش. لو كنت مش قدّ اللي جوه… العتبة ما كانتش هتسمحلك توصل للباب."

سامح تنفس بعمق…
ثم مد يده…
ولمس الباب.

الظلال انشطرت…

والباب… انفتح.

وهناك في الداخل…
كان شيء ينتظره.

شيء أكبر من الخوف…
وأكبر من الحقيقة.

شيء… سيغيّر كل شيء.

الجزء التاسع: ما وراء باب الحقيقة

لم يشعر سامح أنه يخطو إلى غرفة… بل إلى عمق.
المكان خلف الباب لم يكن له جدران، ولا أرض، ولا سقف.
بل كان فضاءً هادئًا، معتمًا، كأنه الليل الأول في الكون.

لكن الظلام لم يكن صامتًا…
كان يتحرك.

يتحرك كما لو أن شيئًا ضخمًا يسبح فيه ببطء.

سامح وقف في بداية المساحة، مترددًا…
ثم سمع صوت الحارس يتلاشى خلفه، كأنه يأتي من عالم آخر:

"سامح… ده اختبارك لوحدك. ما تسمعش غير صوتك."

ثم انغلق الباب خلفه.

سامح التفت…
لكن الباب اختفى كأنه لم يكن موجودًا.

قال لنفسه:
"مكانش المفروض أخاف… أنا اللي اخترت الطريق."

لكن قلبه كان يقرع صدره كأنه يريد الهرب من هذا الظلام.



الصوت الأول

صمت طويل.
ثوانٍ… أو دقائق… أو ساعات.
لم يكن هناك ما يدل على الزمن.

وفجأة…

خرج صوت من الظلام:
صوت ناعم… قريب… مخيف.

"سامح…"

التفت بسرعة:
"مين؟!"

الصوت اقترب…
كأنه يضع فمه على أذنه:

"كنت فاكر إنك تقدر تهرب منِّي؟"

سامح تراجع خطوة.
الصوت كان صوتًا يعرفه…
بل يحفظه.

صوته هو نفسه.

لكن أعمق…
وأغمق…
ومليء بشيء يشبه الغضب.

قال سامح:
"أنت… اللي قابلته في الطريق؟ النسخة التانية؟"

جاءه الرد:
"دي كانت مجرد بداية. أنا… الحقيقة."



تجسّد الحقيقة

تحرك الظلام أمامه…
وخرج منه شكل بشري يتكون من دخان أسود.
لكن وجهه بدأ يأخذ ملامح…
ملامح سامح.

ونظرت النسخة إليه بعينين واسعتين، سوداويتين…
كأنهما بئر بلا قاع.

قالت النسخة:

"أنا الجزء اللي طول عمرك بتدفنه… الخوف. الشك. الضعف. الكره اللي عمرك ما اعترفت بيه. أنا اللي بتتظاهر إنه مش موجود… لكني أنا اللي ماشي فيك."

سامح حاول أن يثبت صوته:
"أنا مش خايف منك."

ضحكت النسخة ضحكة قصيرة:
"لو مش خايف… ماكنتش هنا."

اقتربت خطوة، وقالت:
"تعرف ليه العلامة اختارتك؟ مش عشانك قوي… بالعكس. عشانك ضعيف."

سامح صرخ:
"كفاية!"

لكن الظلام حول النسخة اشتعل:
"لا. لازم تفهم الحقيقة. القوة اللي جوّاك… مش بتتحرر غير لما تواجه أضعف جزء فيك."



ذكريات مذبوحة

رفع الظلام يده، وبدون مقدمات…

ظهرت ذكريات حولهما.
ذكريات لم يرها سامح منذ سنوات:

غرفة نومه وهو صغير
خوفه من النوم وحده
صراخه ليلة انقطاع الكهرباء
ارتجافه يوم أول شجار في المدرسة
بكاؤه بعد وفاة أبيه
ارتباكه في عمله
شكه في نفسه
كل مرة شعر فيها أنه غير كافٍ



الذكريات طافته حوله مثل مرايا مكسورة.

النسخة قالت:
"شايف؟ أنت عمرك ما كنت قوي. القوة اللي بتدوّر عليها… مش هنا."

سامح شعر بشيء يشبه الغرق.
ركبتاه ضعفَتا.
عيناه امتلأتا بدموع لم يرد أن يراها أحد.

قال بصوت مخنوق:
"ليه… بتعمل كده؟"

ردت النسخة ببرود:
"عشان ده اختبار الحقيقة. وإنت… الحقيقة بتاعتك مش حلوة."



التحوّل الثاني للعلامة

بينما الظلام يتسع حوله…
شعر سامح بصوت خافت قادم من داخله.
ليس صوتًا بشريًا…
بل صوت العلامة نفسها.

صوت مثل دفقة نور تخترق عقله:

“ولستَ وحدك.”

سامح رفع رأسه.
لم يعرف لماذا…
لكن جسده بدأ يهدأ.

الظلام لاحظ ذلك، وقال باستهزاء:
"أيوة… اهدى. الهدوء قبل السقوط."

لكن سامح هذه المرة لم يتراجع.

وضع يده على صدره…
وشعر بأنفاسه تستقر لأول مرة.

وقال بصوت ثابت:
"أنا مش كامل… مش قوي… وأنا مش لازم أكون. الضعف… جزء مني."

ارتجف الظلام.

سامح أكمل:
"بس… مش هو كلّي."



اللحظة الفاصلة

النسخة صرخت فجأة:
"أنا أنت!"

فرد سامح بقوة:
"وأنا… مش هخجل منك تاني."

وفي هذه اللحظة…

انفجرت العلامة في ظهره بضوء لم يره من قبل.
ضوء أبيض… نقي…
يتوهج كأنه روح جديدة انطلقت.

اندفع الضوء من جسده في كل اتجاه…
وصدم النسخة السوداء بقوة هائلة.

النسخة بدأت تتلاشى…
تذوب…
وتنكمش في نفسها.

كانت تصرخ:
"أنا… جزء منك!"

ورد سامح وهو يتقدم نحوها وسط الضوء:
"وأنا هقبل وجودك… بس مش هخليك تسيطر."

وانهار الظلام.

اختفت النسخة بالكامل.



عودة الطريق

في اللحظة التي تلاشت فيها النسخة…
عاد الضوء تدريجيًا.
عاد المكان إلى شكلٍ أوضح:
أرضٌ شفافة، سماء مضيئة بلا مصدر، حدود تتشكل من نفسها.

ثم ظهر الباب مرة أخرى…
لكن هذه المرة كان الباب مفتوحًا.

وسمع سامح صوت الحارس يأتي من خلفه:

"مبروك يا سامح… نجحت في أصعب اختبار."

رائف نادى عليه:
"تعال… بسرعة!"

سامح تنفس بعمق…
ومسح دمعته الأخيرة.

خرج من الباب…
مختلفًا.

لم يعد ذلك الشخص الذي دخل.
كان جزءًا منه قد مات…
وجزءًا آخر ولد.

وكان يعلم…
أن الخطوة القادمة ستكون الأعظم.



نهاية الجزء التاسع

خرج سامح من غرفة الحقيقة…
ليجد الحارس واقفًا في انتظاره، لكن هذه المرة بوجه مختلف…
ممتلئ فخرًا، وشيئًا يشبه الخوف.

قال الحارس:

"اللي جاي… مش تدريب."

"اللي جاي… مواجهة."

الجزء العاشر: عرش الظل

خرج سامح من غرفة الحقيقة، وكأنه خرج من عمرٍ كامل لا من لحظة.
خطواته كانت أثقل وأعمق، لكن نظرته كانت ثابتة لأول مرة منذ بداية رحلته.

الحارس وقف أمامه، ينظر له بتمعّن شديد، كأنه يحاول قراءة ما تغيّر داخله.
ورائف ظل واقفًا على بُعد خطوة، يراقب سامح وكأنه يخشى أن ينهار أو يختفي.

قال الحارس بصوت منخفض:
"كنت متوقع إنك ترجع… لكن مش كده."

سامح اكتفى بنظرة هادئة.
العلامة على جسده كانت تلمع بوهج خفيف، متغير، كأنها تنبض.

رائف قال وهو يقترب أكثر:
"كنت خايف عليك… بس واضح إنك دلوقتي أقوى."

سامح لم يبتسم… لكنه شعر بشيء يشبه السلام.

الحارس أشار بيده نحو الممر الطويل داخل المعبد:
"يلا. المعركة الحقيقية مستنياك."



الممر الأخير

كان الممر طويلًا…
أطول من كل الممرات السابقة.
جدرانه عليها نقوش تتحرك ببطء، تظهر وتختفي، كأنها كائنات حية.

وكلما اقتربوا من النهاية، كان الهواء يزداد ثقلًا…
وكأنهم يقتربون من قلب شيءٍ ضخم.

رائف همس:
"حاسس… إن المكان ده بيشمّنا."

الحارس رد دون أن يلتفت:
"هو فعلاً بيشمّكم. المكان ده مش مبني… المكان ده صاحي."

سامح مرر أصابعه على العلامة في كتفه وقال:
"أنا جاهز."

الحارس توقف فجأة أمام باب هائل…
باب ذا نقوش متشابكة، وعيون محفورة، تنظر إلى الداخل لا إلى الخارج.

قال الحارس:
"اسمعوني كويس… اللي جوه ده مش كيان، ولا روح، ولا ظل. اللي جوه… هو مصدر كل ده."

رائف ابتلع ريقه:
"إنت تقصد…؟"

قال الحارس ببطء:
"عرش الظل."

ثم التفت إلى سامح:
"انت صاحب العلامة… وبالتالي اللي هيحصل جوه هيكون بينك وبينه انت بس."

سامح عقد حاجبيه:
"وإنتو؟"

الحارس:
"هنساعدك لحد الباب… لكن العرش مش بيسمح بدخول أكتر من روح واحدة."



باب العرش

فتح الحارس الباب.

لا ضوء.
ولا ظلام.
بل مساحة رمادية كثيفة، تتحرك كأنها دخان من عالم آخر.

سامح التفت لرائف، ثم للحارس، وقال:
"مهما حصل… ماتقفلوش الباب."

الحارس:
"لو قفل… هو اللي يقفله مش إحنا."

سامح دخل.

وانغلق الباب من تلقاء نفسه، بلا صوت.



عرش الكيان

عندما تقدّم خطوة داخل تلك المساحة الغريبة…
تبدد الرماد، وانكشفت الغرفة الحقيقية.

قاعة واسعة… بلا حدود واضحة…
وفي نهايتها عرشٌ هائل، من حجر أسود، كأن الليل كله صُهر وصُبّ في هيئة كرسي.

وفوق العرش…
جلس كيان لا يمكن وصفه بملامح بشرية.

كان جسمًا مظلمًا ممتلئًا، يتغيّر بلا توقف.
أحيانًا يأخذ شكل رجل… ثم امرأة… ثم ***… ثم مخلوقات لا يعرفها البشر.

لكن العينين…
كانتا ثابتتين.
عينان سوداويتان تلمعان في الظلام…
تعرفان سامح فورًا.

قال الكيان بصوتٍ يتردد آلاف المرات داخل رأسه:
"تأخرت."

سامح وقف بثبات:
"أنا جيت… عشان أفهم. عشان أغير اللي بيحصل."

الكيان ضحك.
ضحكة جعلت الجدران تهتز.

"تغيّر؟ أنت فاكر نفسك مين؟ علامة صغيرة… على إنسان صغير… وتيجي قدام عرش الظل؟"

سامح تقدّم خطوة:
"إذا العلامة اختارتني… يبقى في سبب."

الكيان رفع يده…
وفي لحظة، ظهرت حوله مشاهد من البشر الذين سقطوا في الظلام عبر السنين.
وجوه خائفة… أجساد تتلاشى… أرواح تصرخ.

وقال الكيان:
"كلهم قالوا كده قبل ما يموتوا."



انفجار العلامة

سامح شعر بحرارة غريبة تتحرك داخل جسده.
العلامة بدأت تتوهج بقوة لم تحدث من قبل.
وكأن الغرفة كلها تسمع نبضها.

قال سامح:
"أنا مش زيهم."

الكيان وقف من على العرش لأول مرة.
وكان طوله أكبر من ثلاثة رجال فوق بعض.
وتحرك نحوه، يلتهم المساحة بينهما خطوة بعد خطوة.

"أثبت."

سامح أغلق عينيه.
ترك العلامة تتحرك وحدها.
ترك الخوف جانبًا…
حتى النسخة السوداء التي واجهها في الاختبار الأخير، شعر بها داخله… لكنها لم تعد تسيطر.

فتح عينيه، وقال بثبات:

"أنا سامح…
وأنا ضعف…
وأنا قوة…
وأنا علامة مش هتتكرر."

وانفجرت العلامة.

ضوءٌ أبيض…
هائل…
غمر القاعة كلها، كما لو أن الشمس انفجرت داخل الظلام.

الكيان صرخ لأول مرة:
"مستحيل!"



المواجهة الأخيرة

الضوء والظلام اصطدما.
صوتٌ يشبه الرعد…
أرضٌ تتشقق…
هواءٌ يُسحب من صدر سامح بقوة.

لكن سامح لم يتراجع.
خطا للأمام.
رفع يده نحو الكيان.
الضوء من العلامة التف حول ذراعه حتى أصبح الذراع نفسها متوهجة.

الكيان هجم عليه، بأصوات آلاف الأرواح تصرخ من داخله.

لكن سامح صرخ بصوت ملأ القاعة:

"أنا مش ملكك!"

وضرب الكيان ضربة مباشرة في صدره.

الضوء دخل في أعماق الكيان…
مزّقه من الداخل…
فتح فيه شقوقًا من النور.

الكيان حاول الصراخ…
لكن صوته انقطع.

ثم انهار.

انهار كأنه جبل من الظلام يذوب.

انهار حتى لم يتبقَّ منه شيء…
سوى رماد أسود يتطاير في الهواء…
ويختفي.



العرش الفارغ

توقف كل شيء.

القوة اختفت.
الصوت اختفى.
وحتى العلامة انطفأت بضوء هادئ، كأنها قالت كلمتها الأخيرة.

سامح وقف وسط صمت ثقيل.

ثم رأى العرش…
فارغًا.

اقترب منه.
لمس الحجر الأسود.

وفجأة…
ظهر نورٌ خافت، يتشكل على سطح العرش.

ثم سمع صوتًا ناعمًا، مختلفًا عن صوت الكيان:
"اختيار جديد… روح جديدة… قائد جديد."

سامح تراجع خطوة:
"لا… لا أنا مش ملك… ولا قائد. أنا بس… كنت بدافع."

الصوت قال:

"ومن يدافع… يستحق القيادة."

وفجأة…
انفتح باب القاعة وحده.

وكان الحارس ورائف واقفين خلفه، والدهشة تملأ وجهيهما.

رائف قال بصوت مرتعش:
"سامح… إنت… عملت إيه؟"

سامح نظر إلى العرش… ثم إليهما…
وشعر للمرة الأولى أنهم ينتظرون منه إجابة…
أو قرارًا.

وقال بهدوء:

"عملت اللي لازم يتعمل."

ثم أدار ظهره للعرش…
وغادر القاعة.

كان يعلم…
أن العالم الذي خرج إليه لن يكون كما تركه.
وأنه هو نفسه…
لن يعود كما كان.

العرش بقي خلفه…
ينتظر.

والعلامة على جسده…
كانت قد هدأت، لكنها لم تختف.

كأنها تقول:

"النهاية… مجرد بداية."
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
نسوانجي كام أول موقع عربي يتيح لايف كام مع شراميط من أنحاء الوطن العربي

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى أسفل
0%