Anonymous One
MrAnon404
نسوانجى الاصلى
افضل عضو
العضو الخلوق
نسوانجي متفاعل
نسوانجي متميز
نسوانجي خفيف الظل
محرر برامج
دكتور نسوانجي
أستاذ نسوانجي
فارس الردود الذهبية
عضو
ناشر المجلة
نائب برلمان
رواية رجل مجهول
١
لأسبابٍ لا مجال لها للحديث عنها بالتفصيل الآن، كان عليَّ أن ألتحق خادمًا عند أحد مُوظفي بطرسبرج. كان رجلًا في حوالي الخامسة والثلاثين، يُدعى جيورجي إيفانيتش، واسم عائلته أرلوف.
وقد التحقتُ بخدمة أرلوف من أجل والده، الذي كان رجل دولةٍ مشهورًا، وكنت أعتبره عدوًّا خطيرًا لقضيتي. وبنَيتُ حساباتي على أنني سأستطيع بإقامتي لدى الابن، وعن طريق الأحاديث التي سأسمعها والأوراق والمذكرات التي سوف أجدها على مكتبه، أن أدرس بالتفصيل خُطط الأب ونواياه.
في حوالي الحادية عشرة صباحًا، في العادة كان الجرس الكهربائي يدقُّ في غرفة الخدم الخاصة بي مُعلِنًا لي أن السيد استيقظ. وعندما كنت أدخل غرفة النوم، وقد نظفتُ حُلَّة جيورجي إيفانيتش وحذاءه، أجده جالسًا في الفِراش بلا حَراك، ليس نعسانَ بقدْر ما هو مُرهَق من النوم، يُحدِّق في نقطة واحدة، دون أن يصدُر عنه ما يُعبِّر عن سروره باستيقاظه. وأساعده على ارتداء ملابسه، أمَّا هو فيستجيب لي، بلا رغبة، وفي صمت، دون أن يلاحظ وجودي. وبعد ذلك يتوجَّه إلى غرفة الطعام برأس مُبلَّل من الغسيل، ورائحة العطر المُنعِش تفوح منه، ليشرب القهوة. كان يجلس إلى المائدة يشرب القهوة ويتصفح الجرائد، أمَّا أنا والخادمة بوليا فكُنَّا نقف بجوار الباب في احترام ونتطلَّع إليه. كان على شخصَين بالغَين أن يتطلَّعَا بكل جدية واهتمام إلى شخص ثالث وهو يشرب القهوة ويقرقش الخبز المُقدَّد. وهذا، على الأرجح، شيء مُضحك وفظيع، ولكنني لم أكُن أجد ثمة ما يُهين في اضطراري إلى الوقوف بجوار الباب، رغم أني كنتُ من النبلاء، ورجلًا مُتعلمًا مثل أرلوف نفسه.
كنت آنذاك قد مرضتُ بالسُّل، ومعه بدأ يصيبني شيءٌ قد يكون أخطر من السُّل. ولستُ أدري هل كان ذلك بتأثير المرض، أم بتأثير التحول الذي بدأ يطرأ على معتقداتي، والذي لم ألحظه آنذاك، فقد أخذ يتملَّكني، يومًا بعد يوم، ظمأ جارف مُنغِّص إلى الحياة العادية التافهة. كنتُ أريد هدوء النفس، والصحة، والهواء النقي، والشِّبع. وأصبحتُ حالمًا، وكحالمٍ لم أكُن أعرف ما الذي أريده بالضبط. فتارةً كنت أودُّ أن أصبح راهبًا في دير، فأجلس هناك أيامًا بطولها إلى جوار النافذة وأتطلَّع إلى الأشجار والحقول، وتارةً أتصور أنني اشتريتُ قطعةً من الأرض وأعيش مالكًا، وتارةً أقطع على نفسي عهدًا بأن أتفرغ للعلم وأصبح حتمًا أستاذًا في إحدى الجامعات الإقليمية. إنني ملازم بحُرية متقاعد. ومن ثَم رحتُ أحلُم بالبحر، وبوحدتنا البحرية، وبالسفينة الحربية التي طفَت على ظهرها حول العالم. كنت أودُّ أن أُحسَّ من جديد بذلك الشعور الذي لا يُوصَف، عندما تتسمر من شدة الإعجاب، وفي الوقت نفسه تحنُّ إلى الوطن وأنت تتجول في غابة استوائية أو تتطلَّع إلى مَغيب الشمس في خليج البنغال. وتراءت لي في الحلم الجبال، والنساء، والموسيقى، فكنت أتفرَّس بفضول، كصبي، في الوجود وأنصت إلى الأصوات. وعندما كنتُ أقف بجوار الباب، وأتطلَّع إلى أرلوف وهو يشرب القهوة، لم أكُن أشعر بنفسي خادمًا، بل إنسانًا يُهمُّه كل شيء في الدنيا، حتى أرلوف.
كانت هيئة أرلوف هيئةً بطرسبرجية؛ مَنكِبان ضيِّقان، خَصر طويل، صُدغان غائران، عينان بلا لون محدَّد، وشعر ينبُت شحيحًا، كابي اللون، في رأسه ولحيته وشاربه. وكان وجهه مُرفَّهًا، مُرهقًا ومُنفرًا. وكان مُنفرًا بصفة خاصة عندما يكون أرلوف مستغرقًا في التفكير أو نائمًا. ولا أعتقد أنه ثمة داعٍ لوصف هيئة عادية. وعلاوةً على ذلك فبطرسبرج ليست كإسبانيا، فليس لهيئة الرجال هنا أهمية كبيرة حتى في شئون الغرام، ولا ضرورة لها إلا للخدم المهيبين والحوذية. وما أشرتُ إلى وجه أرلوف وشعره إلا لأنه كان في هيئته شيء مُعيَّن يستحقُّ الذكر، وبالتحديد عندما كان أرلوف يتناول جريدةً أو كتابًا، أيًّا كان، أو عندما يقابل أناسًا، أيًّا كانوا، كانت عيناه تشرعان في الابتسام بسخرية، ويكتسب وجهه كله تعبير استهزاءٍ خفيف غير خبيث. وقبل أن يقرأ أو يسمع شيئًا ما، تكون السخرية جاهزةً لديه دائمًا، مثلما الدرع لدى المتوحش. كانت تلك سخرية مألوفة، من طينة قديمة، وفي الآونة الأخيرة كانت ترتسم على وجهه، في الغالب دون أدنى إرادة، وإنما بمثابة ردِّ فعل. ولكن سنتحدث عن هذا فيما بعد.
في بداية الساعة الواحدة كان يتناول حقيبته المَحشوَّة بالأوراق، وعلى وجهه تعبير السخرية، ويرحل إلى عمله. ولم يكُن يتناول غداءه في البيت، ويعود بعد الثامنة. وكنت أشعل المصباح والشموع في غرفة المكتب، فيجلس في الفوتيل، ويمدد ساقيه فوق الكرسي، وإذ يضطجع بهذه الصورة، يشرع في القراءة. وكان يعود كل يوم تقريبًا بكُتب جديدة أو يرسلونها إليه من المتجر، فكانت تستقرُّ في أركان غرفتي وتحت سريري كُتب كثيرة بثلاث لغات عدا الروسية، مقروءة ومُهمَلة. كان يقرأ بسرعة فائقة. ويقال: قُل لي ماذا تقرأ، أقُلْ لك مَن أنت. وربما كان ذلك صحيحًا، بَيْدَ أنه لا يمكن بحال الحُكم على أرلوف من الكُتب التي كان يقرؤها. كان ذلك خليطًا ما. كُتب فلسفة، وروايات فرنسية، واقتصاد سياسي، ومالية، وشعراء جُدُد، ومطبوعات دار «الوسيط»… وكان يقرؤها كلها بنفس السرعة، وبنفس تعبير السخرية في العينين.
وبعد العاشرة كان يرتدي ثيابه بعناية، وكثيرًا ما يرتدي حُلَّة الفراك، ونادرًا جدًّا الحُلَّة الرسمية لضابط البلاط،<a ويغادر المنزل، ويعود قُبَيل الصبح.
عشنا معًا في هدوء وسلام، ولم يقع بيننا أيُّ سوء تفاهم. وفي العادة لم يكُن يلاحظ وجودي، وعندما كان يتحدث إليَّ لم يكُن وجهُه يحمل تعبير السخرية؛ إذ يبدو أنه لم يكُن يعتبرني إنسانًا.
لم أرَه غاضبًا سوى مرة واحدة. فذات يوم، وكان ذلك بعد أسبوع من التحاقي بخدمته، عاد من حفل غداءٍ ما في حوالي التاسعة، وكان وجهه نزقًا، مرهقًا. وعندما سِرتُ خلفه إلى غرفة المكتب لأشعل الشموع هناك قال لي: هناك رائحة كريهة في البيت.
فأجبته: كلَّا، الهواء نظيف.
فردَّ بعصبية: قلتُ لك رائحة كريهة.
– إنني أُهوِّي الغرف كل يوم.
فصاح بي: لا تجادل يا غبي!
أحسستُ بالإهانة وهمَمتُ أن أعارضه، و**** يعلم كيف كان سينتهي ذلك كله لولا أن تدخَّلَت بوليا، التي كانت تعرف سيدها أحسن مني.
بالفعل هناك رائحة كريهة! (قالت وهي ترفع حاجبيها) من أين جاءت يا تُرى؟ يا ستيبان، افتح الشراعات في غرفة الجلوس وأشعل المدفأة.
وتأوَّهَت وهرولَت، وأسرعَت تطوف بالغرف كلها وهي تخشخش بجونلاتها وتفحُّ برشاشة العطور. أمَّا أرلوف فظلَّ مُعتلَّ المزاج، ويبدو أنه كان يكبح نفسه كي لا يصرخ غاضبًا وهو جالس إلى المكتب يخطُّ رسالةً بسرعة. وبعد أن كتب عِدَّة أسطر زفر بغضب ومزَّق الرسالة، ثم عاد يكتب من جديد.
ودمدم قائلًا: فليذهبوا إلى الجحيم! يريدون أن تكون لدي ذاكرة رهيبة!
وأخيرًا فرغ من كتابة الرسالة، فنهض من أمام المكتب، وقال متوجهًا إلي: اذهب إلى شارع زنامينسكايا وسلِّم هذه الرسالة إلى زينائيدا فيودوروفنا كراسنوفسكايا شخصيًّا. ولكنْ قبل ذلك اسأل الحاجب هل عاد زوجها (أي السيد كراسنوفسكي)، فإذا كان قد عاد فلا تُسلِّم الرسالة وعُد بها. مهلًا … إذا سألتك هل عندي أحدٌ ما فقُل لها إن هناك شخصَين يجلسان عندي منذ الساعة الثامنة ويكتبان شيئًا ما.
وذهبتُ إلى زنامينسكايا، وقال لي الحاجب إن السيد كراسنوفسكي لم يعُدْ بعد، فصعدتُ إلى الطابق الثالث، وفتح لي الباب خادمٌ طويل القامة، بدين، ثقيل الوجه، بسالفَين أسودَين، وسألني عمَّا أريد بصوت ناعس ذابل فظ، كما يمكن لخادم أن يخاطب خادمًا، وقبل أن أجيبه جاءت من الصالة بسرعة سيدةٌ في ثوب أسود ودخلَت الرَّدهة. وحدَّقَت فيَّ بعينَين مزرورتَين، فسألتُها: زينائيدا فيودوروفنا موجودة؟
فقالت السيدة: إنها أنا.
– هذه رسالة من جيورجي إيفانيتش.
فضَّت الرسالة بفراغ صبر وأمسكَت بها بكلتا يديها، كاشفةً لي عن خواتمها الماسيَّة، وشرعَت تقرؤها … تأملتُ وجهها الأبيض بقسماته الناعمة، وذقنها البارز إلى الأمام، وأهدابها الطويلة الداكنة. ومن مظهرها الخارجي لم تكُن، في تقديري، تتجاوز الخامسة والعشرين.
وقالت بعد أن فرغت من القراءة: بلِّغ تحياتي وشكري. ثم سألَت بنعومة وفرحة، وكأنما تخجل من شكها: هل هناك أحدٌ عند جيورجي إيفانيتش؟
فقلت: هناك سيدان يكتبان شيئًا ما.
فردَّدَت: بلِّغ تحياتي وشكري.
وخرجَت دون صوت، وقد أمالت رأسها وهي تقرأ الرسالة أثناء سيرها.
لم أكُن آنذاك قد التقيتُ بنساء كثيرات، فتركَت هذه السيدة التي رأيتها لمحًا، أثرًا في نفسي. وعندما عُدت سائرًا إلى المنزل تذكرتُ وجهها، ورائحة عطرها الرهيف، وأخذتُ أحلم. وحينما وصلتُ كان أرلوف قد غادر المنزل.
وقد التحقتُ بخدمة أرلوف من أجل والده، الذي كان رجل دولةٍ مشهورًا، وكنت أعتبره عدوًّا خطيرًا لقضيتي. وبنَيتُ حساباتي على أنني سأستطيع بإقامتي لدى الابن، وعن طريق الأحاديث التي سأسمعها والأوراق والمذكرات التي سوف أجدها على مكتبه، أن أدرس بالتفصيل خُطط الأب ونواياه.
في حوالي الحادية عشرة صباحًا، في العادة كان الجرس الكهربائي يدقُّ في غرفة الخدم الخاصة بي مُعلِنًا لي أن السيد استيقظ. وعندما كنت أدخل غرفة النوم، وقد نظفتُ حُلَّة جيورجي إيفانيتش وحذاءه، أجده جالسًا في الفِراش بلا حَراك، ليس نعسانَ بقدْر ما هو مُرهَق من النوم، يُحدِّق في نقطة واحدة، دون أن يصدُر عنه ما يُعبِّر عن سروره باستيقاظه. وأساعده على ارتداء ملابسه، أمَّا هو فيستجيب لي، بلا رغبة، وفي صمت، دون أن يلاحظ وجودي. وبعد ذلك يتوجَّه إلى غرفة الطعام برأس مُبلَّل من الغسيل، ورائحة العطر المُنعِش تفوح منه، ليشرب القهوة. كان يجلس إلى المائدة يشرب القهوة ويتصفح الجرائد، أمَّا أنا والخادمة بوليا فكُنَّا نقف بجوار الباب في احترام ونتطلَّع إليه. كان على شخصَين بالغَين أن يتطلَّعَا بكل جدية واهتمام إلى شخص ثالث وهو يشرب القهوة ويقرقش الخبز المُقدَّد. وهذا، على الأرجح، شيء مُضحك وفظيع، ولكنني لم أكُن أجد ثمة ما يُهين في اضطراري إلى الوقوف بجوار الباب، رغم أني كنتُ من النبلاء، ورجلًا مُتعلمًا مثل أرلوف نفسه.
كنت آنذاك قد مرضتُ بالسُّل، ومعه بدأ يصيبني شيءٌ قد يكون أخطر من السُّل. ولستُ أدري هل كان ذلك بتأثير المرض، أم بتأثير التحول الذي بدأ يطرأ على معتقداتي، والذي لم ألحظه آنذاك، فقد أخذ يتملَّكني، يومًا بعد يوم، ظمأ جارف مُنغِّص إلى الحياة العادية التافهة. كنتُ أريد هدوء النفس، والصحة، والهواء النقي، والشِّبع. وأصبحتُ حالمًا، وكحالمٍ لم أكُن أعرف ما الذي أريده بالضبط. فتارةً كنت أودُّ أن أصبح راهبًا في دير، فأجلس هناك أيامًا بطولها إلى جوار النافذة وأتطلَّع إلى الأشجار والحقول، وتارةً أتصور أنني اشتريتُ قطعةً من الأرض وأعيش مالكًا، وتارةً أقطع على نفسي عهدًا بأن أتفرغ للعلم وأصبح حتمًا أستاذًا في إحدى الجامعات الإقليمية. إنني ملازم بحُرية متقاعد. ومن ثَم رحتُ أحلُم بالبحر، وبوحدتنا البحرية، وبالسفينة الحربية التي طفَت على ظهرها حول العالم. كنت أودُّ أن أُحسَّ من جديد بذلك الشعور الذي لا يُوصَف، عندما تتسمر من شدة الإعجاب، وفي الوقت نفسه تحنُّ إلى الوطن وأنت تتجول في غابة استوائية أو تتطلَّع إلى مَغيب الشمس في خليج البنغال. وتراءت لي في الحلم الجبال، والنساء، والموسيقى، فكنت أتفرَّس بفضول، كصبي، في الوجود وأنصت إلى الأصوات. وعندما كنتُ أقف بجوار الباب، وأتطلَّع إلى أرلوف وهو يشرب القهوة، لم أكُن أشعر بنفسي خادمًا، بل إنسانًا يُهمُّه كل شيء في الدنيا، حتى أرلوف.
كانت هيئة أرلوف هيئةً بطرسبرجية؛ مَنكِبان ضيِّقان، خَصر طويل، صُدغان غائران، عينان بلا لون محدَّد، وشعر ينبُت شحيحًا، كابي اللون، في رأسه ولحيته وشاربه. وكان وجهه مُرفَّهًا، مُرهقًا ومُنفرًا. وكان مُنفرًا بصفة خاصة عندما يكون أرلوف مستغرقًا في التفكير أو نائمًا. ولا أعتقد أنه ثمة داعٍ لوصف هيئة عادية. وعلاوةً على ذلك فبطرسبرج ليست كإسبانيا، فليس لهيئة الرجال هنا أهمية كبيرة حتى في شئون الغرام، ولا ضرورة لها إلا للخدم المهيبين والحوذية. وما أشرتُ إلى وجه أرلوف وشعره إلا لأنه كان في هيئته شيء مُعيَّن يستحقُّ الذكر، وبالتحديد عندما كان أرلوف يتناول جريدةً أو كتابًا، أيًّا كان، أو عندما يقابل أناسًا، أيًّا كانوا، كانت عيناه تشرعان في الابتسام بسخرية، ويكتسب وجهه كله تعبير استهزاءٍ خفيف غير خبيث. وقبل أن يقرأ أو يسمع شيئًا ما، تكون السخرية جاهزةً لديه دائمًا، مثلما الدرع لدى المتوحش. كانت تلك سخرية مألوفة، من طينة قديمة، وفي الآونة الأخيرة كانت ترتسم على وجهه، في الغالب دون أدنى إرادة، وإنما بمثابة ردِّ فعل. ولكن سنتحدث عن هذا فيما بعد.
في بداية الساعة الواحدة كان يتناول حقيبته المَحشوَّة بالأوراق، وعلى وجهه تعبير السخرية، ويرحل إلى عمله. ولم يكُن يتناول غداءه في البيت، ويعود بعد الثامنة. وكنت أشعل المصباح والشموع في غرفة المكتب، فيجلس في الفوتيل، ويمدد ساقيه فوق الكرسي، وإذ يضطجع بهذه الصورة، يشرع في القراءة. وكان يعود كل يوم تقريبًا بكُتب جديدة أو يرسلونها إليه من المتجر، فكانت تستقرُّ في أركان غرفتي وتحت سريري كُتب كثيرة بثلاث لغات عدا الروسية، مقروءة ومُهمَلة. كان يقرأ بسرعة فائقة. ويقال: قُل لي ماذا تقرأ، أقُلْ لك مَن أنت. وربما كان ذلك صحيحًا، بَيْدَ أنه لا يمكن بحال الحُكم على أرلوف من الكُتب التي كان يقرؤها. كان ذلك خليطًا ما. كُتب فلسفة، وروايات فرنسية، واقتصاد سياسي، ومالية، وشعراء جُدُد، ومطبوعات دار «الوسيط»… وكان يقرؤها كلها بنفس السرعة، وبنفس تعبير السخرية في العينين.
وبعد العاشرة كان يرتدي ثيابه بعناية، وكثيرًا ما يرتدي حُلَّة الفراك، ونادرًا جدًّا الحُلَّة الرسمية لضابط البلاط،<a ويغادر المنزل، ويعود قُبَيل الصبح.
عشنا معًا في هدوء وسلام، ولم يقع بيننا أيُّ سوء تفاهم. وفي العادة لم يكُن يلاحظ وجودي، وعندما كان يتحدث إليَّ لم يكُن وجهُه يحمل تعبير السخرية؛ إذ يبدو أنه لم يكُن يعتبرني إنسانًا.
لم أرَه غاضبًا سوى مرة واحدة. فذات يوم، وكان ذلك بعد أسبوع من التحاقي بخدمته، عاد من حفل غداءٍ ما في حوالي التاسعة، وكان وجهه نزقًا، مرهقًا. وعندما سِرتُ خلفه إلى غرفة المكتب لأشعل الشموع هناك قال لي: هناك رائحة كريهة في البيت.
فأجبته: كلَّا، الهواء نظيف.
فردَّ بعصبية: قلتُ لك رائحة كريهة.
– إنني أُهوِّي الغرف كل يوم.
فصاح بي: لا تجادل يا غبي!
أحسستُ بالإهانة وهمَمتُ أن أعارضه، و**** يعلم كيف كان سينتهي ذلك كله لولا أن تدخَّلَت بوليا، التي كانت تعرف سيدها أحسن مني.
بالفعل هناك رائحة كريهة! (قالت وهي ترفع حاجبيها) من أين جاءت يا تُرى؟ يا ستيبان، افتح الشراعات في غرفة الجلوس وأشعل المدفأة.
وتأوَّهَت وهرولَت، وأسرعَت تطوف بالغرف كلها وهي تخشخش بجونلاتها وتفحُّ برشاشة العطور. أمَّا أرلوف فظلَّ مُعتلَّ المزاج، ويبدو أنه كان يكبح نفسه كي لا يصرخ غاضبًا وهو جالس إلى المكتب يخطُّ رسالةً بسرعة. وبعد أن كتب عِدَّة أسطر زفر بغضب ومزَّق الرسالة، ثم عاد يكتب من جديد.
ودمدم قائلًا: فليذهبوا إلى الجحيم! يريدون أن تكون لدي ذاكرة رهيبة!
وأخيرًا فرغ من كتابة الرسالة، فنهض من أمام المكتب، وقال متوجهًا إلي: اذهب إلى شارع زنامينسكايا وسلِّم هذه الرسالة إلى زينائيدا فيودوروفنا كراسنوفسكايا شخصيًّا. ولكنْ قبل ذلك اسأل الحاجب هل عاد زوجها (أي السيد كراسنوفسكي)، فإذا كان قد عاد فلا تُسلِّم الرسالة وعُد بها. مهلًا … إذا سألتك هل عندي أحدٌ ما فقُل لها إن هناك شخصَين يجلسان عندي منذ الساعة الثامنة ويكتبان شيئًا ما.
وذهبتُ إلى زنامينسكايا، وقال لي الحاجب إن السيد كراسنوفسكي لم يعُدْ بعد، فصعدتُ إلى الطابق الثالث، وفتح لي الباب خادمٌ طويل القامة، بدين، ثقيل الوجه، بسالفَين أسودَين، وسألني عمَّا أريد بصوت ناعس ذابل فظ، كما يمكن لخادم أن يخاطب خادمًا، وقبل أن أجيبه جاءت من الصالة بسرعة سيدةٌ في ثوب أسود ودخلَت الرَّدهة. وحدَّقَت فيَّ بعينَين مزرورتَين، فسألتُها: زينائيدا فيودوروفنا موجودة؟
فقالت السيدة: إنها أنا.
– هذه رسالة من جيورجي إيفانيتش.
فضَّت الرسالة بفراغ صبر وأمسكَت بها بكلتا يديها، كاشفةً لي عن خواتمها الماسيَّة، وشرعَت تقرؤها … تأملتُ وجهها الأبيض بقسماته الناعمة، وذقنها البارز إلى الأمام، وأهدابها الطويلة الداكنة. ومن مظهرها الخارجي لم تكُن، في تقديري، تتجاوز الخامسة والعشرين.
وقالت بعد أن فرغت من القراءة: بلِّغ تحياتي وشكري. ثم سألَت بنعومة وفرحة، وكأنما تخجل من شكها: هل هناك أحدٌ عند جيورجي إيفانيتش؟
فقلت: هناك سيدان يكتبان شيئًا ما.
فردَّدَت: بلِّغ تحياتي وشكري.
وخرجَت دون صوت، وقد أمالت رأسها وهي تقرأ الرسالة أثناء سيرها.
لم أكُن آنذاك قد التقيتُ بنساء كثيرات، فتركَت هذه السيدة التي رأيتها لمحًا، أثرًا في نفسي. وعندما عُدت سائرًا إلى المنزل تذكرتُ وجهها، ورائحة عطرها الرهيف، وأخذتُ أحلم. وحينما وصلتُ كان أرلوف قد غادر المنزل.
٢
وهكذا فقد عشتُ مع السيد في هدوء وسلام، ومع ذلك فإن الشيء القذر المهين، الذي جِدُّ ما خشيتُه عندما التحقتُ خادمًا، كان موجودًا، يفصح عن نفسه كل يوم. كانت علاقتي ببوليا سيئة؛ كانت كائنًا مدملجًا، مدللًا، تعبد أرلوف لأنه سيد وتحتقرني لأني خادم. ومن المحتمل أنها كانت مُغريةً من وجهة نظر الخادم الحقيقي أو الطاهي؛ خدَّان أحمران، أنف مشرئب، عينان مزرورتان، وجسم بدين قد مال إلى الاكتناز. وكانت تضع البودرة، وتصبغ حاجبَيها وشفتَيها، وتشدُّ جسمها بالكورسيه، وترتدي أردافًا مستعارةً وأسورةً من قِطَع النقود. وكانت مشيتها قصيرة الخطوات، قافزة، وعندما تسير كانت تهز، أو كما يُقال، ترعش كتفَيها ومؤخرتها. وكانت خشخشة جونلاتها، وطقطقة كورسيها ورنين أسورتها، وهذه الرائحة الوقحة لطلاء الشفاه وخل الزينة والعطور المسروقة من السيد، تثير فيَّ صباحًا، عندما كنَّا ننظف الغرف، إحساسًا كأنني كنتُ أصنع وإياها شيئًا وضيعًا.
وربما لأني لم أكُن أشاركها السرقة، أو لأني لم أظهر أدنى رغبة في أن أصبح عشيقها، الأمر الذي أهانها في الغالب، أو ربما لأنها استشعرَت فيَّ رجلًا غريبًا، فقد مقتَتني من أول يوم. وبدَت لها عدم مهارتي وهيئتي التي لم تكُن تشبه هيئة الخدم والمرضى؛ بدَت لها مُزريةً وأثارت فيها شعورًا بالتقزُّز. وكنتُ آنذاك أسعل بشدة، وأحيانًا أزعج نومها بذلك، لأنه لم يكُن يفصل غرفتي عن غرفتها سوى حاجز خشبي، فكانت تقول لي كل صباح: أنتَ أقلقتَ منامي مرةً أخرى. مكانك في المستشفى لا في منزل السادة.
وكانت تعتقد بإخلاصٍ أنني لستُ إنسانًا، بل شيءٌ أدنى منها بمراحل، حتى إنها كانت، مثل عقيلات روما اللائي لم يكُنَّ يخجلن من الاستحمام عرايا أمام عبيدهن، تسير أحيانًا في حضوري في قميص النوم فقط.
وذات يوم أثناء الغداء (وكنا نحصل من الحانة كل يوم على حساء ولحم مشوي)، وكنت في مزاج رائع حالم، سألتها: هل تؤمنين ب**** يا بوليا؟
– وكيف لا؟!
فاستطردتُ قائلًا: إذَن فأنتِ تؤمنين بأن يوم الحساب آتٍ، وأننا سنُسأل أمام **** عن كل عمل سيئ ارتكبناه!
فلم تقُل شيئًا، بل رسمَت تعبير احتقار على وجهها، وحينما نظرتُ هذه المرة إلى عينيها الشبعانتين الباردتين أدركتُ أنه ليس لدى هذه الشخصية المكتملة المتحددة تمامًا إله أو ضمير أو قوانين، وأنني لو كنت بحاجة إلى قتل أحد أو سرقته أو إشعال حريق، لما وجدت أفضل منها شريكًا مأجورًا.
وفي هذا الجو غير المألوف، ومع عدم تعودي على مخاطبة الآخرين بصيغة المفرد، وعلى الكذب المستمر (أن تقول «ليس السيد موجودًا» بينما هو موجود)، لم تكُن حياتي عند أرلوف سهلةً في الأسبوع الأول، وأحسستُ بنفسي في حُلَّة الخدم كأنما في دروع، لكنني فيما بعدُ تعودتُ، وكخادم حقيقي كنت أخدم، وأنظف الغرف، وأجري وأتنقل مؤدِّيًا شتَّى التكليفات. وعندما لا يرغب أرلوف في الذهاب إلى موعد مع زينائيدا فيودوروفنا، أو عندما ينسى وعده بزيارتها، كنتُ أرحل إلى زنامينسكايا وأسلمها شخصيًّا رسالته وأكذب. وفي محصلة الأمر حدث غير ما كنتُ أنتظره تمامًا عندما التحقتُ خادمًا. فقد كان كل يوم من حياتي الجديدة هذه يضيع هدرًا بالنسبة لي ولقضيتي، لأن أرلوف لم يكُن يتحدث عن أبيه أبدًا، وكذلك ضيوفه. ولم أعرف عن نشاط رجل الدولة المعروف إلا ما كنتُ قبلًا أستطيع الحصول عليه من الصحف ومراسلات رفاقي. ولم يكُن لمئات المذكرات والأوراق التي كنتُ أجدها في غرفة المكتب وأقرؤها علاقة، ولو من بعيد، بما أبحث عنه. كان أرلوف غير مبالٍ تمامًا بنشاط أبيه المدوي، وكان منظره يبدو كأنه لم يسمع به، أو كأنما مات أبوه منذ زمن طويل.
وربما لأني لم أكُن أشاركها السرقة، أو لأني لم أظهر أدنى رغبة في أن أصبح عشيقها، الأمر الذي أهانها في الغالب، أو ربما لأنها استشعرَت فيَّ رجلًا غريبًا، فقد مقتَتني من أول يوم. وبدَت لها عدم مهارتي وهيئتي التي لم تكُن تشبه هيئة الخدم والمرضى؛ بدَت لها مُزريةً وأثارت فيها شعورًا بالتقزُّز. وكنتُ آنذاك أسعل بشدة، وأحيانًا أزعج نومها بذلك، لأنه لم يكُن يفصل غرفتي عن غرفتها سوى حاجز خشبي، فكانت تقول لي كل صباح: أنتَ أقلقتَ منامي مرةً أخرى. مكانك في المستشفى لا في منزل السادة.
وكانت تعتقد بإخلاصٍ أنني لستُ إنسانًا، بل شيءٌ أدنى منها بمراحل، حتى إنها كانت، مثل عقيلات روما اللائي لم يكُنَّ يخجلن من الاستحمام عرايا أمام عبيدهن، تسير أحيانًا في حضوري في قميص النوم فقط.
وذات يوم أثناء الغداء (وكنا نحصل من الحانة كل يوم على حساء ولحم مشوي)، وكنت في مزاج رائع حالم، سألتها: هل تؤمنين ب**** يا بوليا؟
– وكيف لا؟!
فاستطردتُ قائلًا: إذَن فأنتِ تؤمنين بأن يوم الحساب آتٍ، وأننا سنُسأل أمام **** عن كل عمل سيئ ارتكبناه!
فلم تقُل شيئًا، بل رسمَت تعبير احتقار على وجهها، وحينما نظرتُ هذه المرة إلى عينيها الشبعانتين الباردتين أدركتُ أنه ليس لدى هذه الشخصية المكتملة المتحددة تمامًا إله أو ضمير أو قوانين، وأنني لو كنت بحاجة إلى قتل أحد أو سرقته أو إشعال حريق، لما وجدت أفضل منها شريكًا مأجورًا.
وفي هذا الجو غير المألوف، ومع عدم تعودي على مخاطبة الآخرين بصيغة المفرد، وعلى الكذب المستمر (أن تقول «ليس السيد موجودًا» بينما هو موجود)، لم تكُن حياتي عند أرلوف سهلةً في الأسبوع الأول، وأحسستُ بنفسي في حُلَّة الخدم كأنما في دروع، لكنني فيما بعدُ تعودتُ، وكخادم حقيقي كنت أخدم، وأنظف الغرف، وأجري وأتنقل مؤدِّيًا شتَّى التكليفات. وعندما لا يرغب أرلوف في الذهاب إلى موعد مع زينائيدا فيودوروفنا، أو عندما ينسى وعده بزيارتها، كنتُ أرحل إلى زنامينسكايا وأسلمها شخصيًّا رسالته وأكذب. وفي محصلة الأمر حدث غير ما كنتُ أنتظره تمامًا عندما التحقتُ خادمًا. فقد كان كل يوم من حياتي الجديدة هذه يضيع هدرًا بالنسبة لي ولقضيتي، لأن أرلوف لم يكُن يتحدث عن أبيه أبدًا، وكذلك ضيوفه. ولم أعرف عن نشاط رجل الدولة المعروف إلا ما كنتُ قبلًا أستطيع الحصول عليه من الصحف ومراسلات رفاقي. ولم يكُن لمئات المذكرات والأوراق التي كنتُ أجدها في غرفة المكتب وأقرؤها علاقة، ولو من بعيد، بما أبحث عنه. كان أرلوف غير مبالٍ تمامًا بنشاط أبيه المدوي، وكان منظره يبدو كأنه لم يسمع به، أو كأنما مات أبوه منذ زمن طويل.
٣
في أيام الخميس كان يزورنا الضيوف.
فكنتُ أوصي في المطعم على قطعة روزبيف، وأتصل تليفونيًّا بمتجر يليسييف ليرسلوا لنا بعض الكافيار والجبن والقواقع البحرية وغيرها. وأبتاع ورق اللعب. أمَّا بوليا فكانت تُعِدُّ منذ الصباح آنية الشاي وأدوات المائدة للعشاء. وللحقيقة فإن هذا النشاط الصغير كان يُضفي تجديدًا ما على حياتنا الفارغة، فكانت أيام الخميس بالنسبة لنا أكثر الأيام متعة.
لم يكُن يأتي من الضيوف غير ثلاثة، وكان أكثرهم رصانة، وربما أكثرهم متعة، ذلك الضيف اللقب ﺑ «بيكارسكي»؛ كان رجلًا طويلًا نحيفًا، في حوالي الخامسة والأربعين، بأنف طويل أحدب، ولحية سوداء كبيرة وصلعة. كانت عيناه واسعتَين جاحظتَين، وعلى وجهه يرتسم تعبير الجدية والتفكير كما على وجه فيلسوف إغريقي. وكان يعمل في إدارة السكك الحديد وفي مصرف، وكان مستشارًا قانونيًّا لمؤسَّسة حكومية مهمَّة ما، وعلى علاقة عمل مع عدد كبير من الأفراد كوصي وكرئيس مجلس الوصاية … إلخ، ولم تكُن رُتبته كبيرة، وكان يقول عن نفسه بتواضع إنه محلف موثق، ولكن نفوذه كان هائلًا. كانت بطاقته أو رسالة قصيرة منه كافيةً لكي يستقبلك طبيب مشهور أو مدير السكك الحديد أو موظف مُهم بدون انتظار دَورك. ويُقال إنه كان من الممكن بواسطته أن تحصل على وظيفة حتمًا من الدرجة الرابعة، وأن تحفظ أيَّ قضية مزعجة ضدَّك. وكان يُعَدُّ رجلًا ذكيًّا جدًّا، بَيْدَ أن ذكاءه كان غريبًا، من نوع خاص، فقد كان بوسعه في برهة واحدة أن يضرب ٢١٣ × ٣٧٣ في ذهنه، أو يُحوِّل الجنيهات الإسترلينية إلى ماركات دون الاستعانة بالقلم أو بجداول التحويل، وكان مُلمًّا بصورة رائعة بشئون السكك الحديد والمالية، ولم تكُن بالنسبة له ثمة أسرار في كل ما يتعلق بأمور الإدارة. وكان في الشئون المدنية، كما يُقال، محاميًا بارعًا ليس من السهل مجاراته. ولكن هذا العقل غير العادي كان لا يفقه البتة كثيرًا من الأمور التي قد يدركها حتى الشخص الغبي. فعلى سبيل المثال لم يستطع أبدًا أن يفهم لماذا يشعر الناس بالملل ويبكون ويتبارزون، بل ويقتلون الآخرين، ولماذا ينفعلون بأشياء وأحداث لا تمسُّهم شخصيًّا، ولماذا يضحكون عندما يقرءون جوجول أو شيدرين.فكل ما كان مجرَّدًا، محلقًا في سماء الفكر والأحاسيس، كان بالنسبة له غير مفهوم ومُملًّا، مثل الموسيقى لشخص لا يتذوقها. وكان ينظر إلى الناس من وجهة نظر عملية فقط، ويُصنِّفهم إلى موهوبين وغير موهوبين، وأيُّ تقسيم آخر لم يكُن له وجود لديه. فالشرف والاستقامة ليسا إلا علامةً على الموهبة.
والعربدة ولعب الورق والفسق ممكنة، بشرط ألَّا تعوق العمل. والإيمان ب**** غباء، بَيْدَ أن الدين ينبغي أن يكون مَصونًا لا يُمس، لأن الشعب بحاجة إلى قوة رادعة وإلا فلن يعمل. والعقوبات ضرورية فقط للتخويف. ولا حاجة للتصييف في الدور الريفية، لأن المعيشة في المدينة أيضًا طيبة … وهكذا دواليك. كان أرمل وليس لديه *****، بَيْدَ أنه كان يحيا حياةً بحبوحةً عائليةً ويدفع ثلاثة آلاف روبل سنويًّا إيجارًا للشقة.
أمَّا الضيف الآخر، كوكوشكين، مستشار الدولة الجديد، فقد كان قصير القامة، ويتميز بتعبير كريه إلى أقصى حدٍّ يُضفيه عليه عدم التناسق بين جذعه البدين المكتنز ووجهه الصغير النحيل. وكانت شفتاه على شكل قلب، وشاربه المقصوص يبدو كأنه قد لُصق باللاك. كانت حركاته كحركات السحلية؛ فلم يكُن يدخل بل يدلف زاحفًا وهو يبدل بقدميه بسرعة ويتمايل ويهأهئ، وعندما يضحك يُكشَّر عن أنيابه. كان موظفًا للمهمَّات الخاصة لدى شخصٍ ما، ولم يكُن يفعل شيئًا رغم أنه يتقاضى مرتبًا كبيرًا، وخاصةً صيفًا، عندما يخترعون له شتَّى المأموريات. كان وصوليًّا لا إلى النخاع فحسب، بل إلى أعمق من ذلك، إلى آخر قطرة ددمم، وفوق ذلك، وصوليًّا تافهًا، غير واثقٍ من نفسه، يبني مستقبله على الصَّدَقات وحدها. فمن أجل وسامٍ أجنبيٍّ ما، أو من أجل أن تكتب الصحف أنه حضر جنازًا أو قُدَّاسًا مع شخصيات كبيرة، كان مستعدًّا لأيِّ مَهانة، لأن يستعطف ويتملَّق ويعد. وبدافع الجبن كان يتملَّق أرلوف وبيكارسكي، لأنه كان يعتبرهما من الأقوياء، ويتملَّق بوليا ويتملَّقني لأننا نخدم عند شخص ذي نفوذ. وعندما كنتُ أنزع عنه المعطف كان دائمًا يهأهئ ويسألني: «هل أنت متزوج يا ستيبان؟» وتتلو ذلك مداعبة مبتذلة فجَّة، كنوع من الاهتمام الخاص بي. كان كوكوشكين ينافق نقائص أرلوف وفساده وشبعه. ولكي يعجبه تظاهر بأنه ساخر شرير ومُلحد، وكان ينتقد معه أولئك الذين كان يرائيهم بمذلة في مكان آخر. وعندما كان الحديث يتطرق أثناء العشاء إلى النساء والحب، كان يتظاهر بأنه فاسق داهية ذواقة. وعمومًا فمن الجدير بالذكر أن ماجني بطرسبرج يحبُّون التحدث عن أذواقهم الفريدة. فقد يُقنع أحد مستشاري الدولة الجدد كل القناعة بملاطفات طاهيته أو إحدى البائسات المتسكعات في شارع نيفسكي، فإذا ما سمعتَه يتحدث خُيِّل إليك أنه مُصاب بكل رذائل الشرق والغرب، وأنه عضو فخري في عشرات الجمعيات السرية المشبوهة وأصبح تحت رقابة الشرطة. وكان كوكوشكين يروي عن نفسه الأكاذيب بلا خجل، وليست المسألة أن أحدًا لم يكُن يُصدِّقه، بل لم يكونوا يعيرون أذنًا صاغيةً لأكاذيبه.
أمَّا الضيف الثالث فهو جروزين؛ ابن أحد الجنرالات العلماء المحترمين، من عمر أرلوف، أشقر طويل الشعر، ضعيف النظر، يضع نظارةً مُذهبة. وأذكر أصابعه الطويلة الشاحبة كأصابع عازف البيانو، وعمومًا فقد كان في هيئته كلها شيءٌ ما موسيقي، حاذق، وأشخاص بمثل هذه الهيئة يلعبون في الأوركسترات دَور العازف الأول. كان يسعل ويعاني من الصداع، وعمومًا كان يبدو مريضًا وضعيفًا. وأغلب الظنِّ أنهم في البيت كانوا ينزعون عنه ثيابه ويُلبسونه كطفل. وقد درس القانون في معهدٍ والتحق بوظيفةٍ في إدارة المَحاكم، ثم نقل إلى مجلس الشيوخ، ولكنه استقال وحصل بالواسطة على وظيفة بوزارة الممتلكات الحكومية، ثم سرعان ما ترك الوظيفة مرةً أخرى. وفي فترة خدمتي كان يعمل في قسم أرلوف رئيسًا لقلم، ولكنه كان يُصرِّح بأنه سينتقل ثانيةً إلى إدارة المَحاكم. كان ينظر إلى الخدمة وإلى تنقلاته من مكان إلى مكان باستهتار نادر، وعندما كانوا يتحدثون في حضوره بجدية عن الرُّتَب والأوسمة والرواتب، كان يبتسم ببشاشة ويُردِّد قول بروتكوف المأثور: «في الوظيفة الحكومية فقط يدرك المرء الحقيقة!» وكانت لديه زوجة صغيرة بوجه مُغضَّن، غيورة جدًّا، وخمسة ***** هزالى. وكان يخون زوجته، ويحبُّ أطفاله فقط عندما يراهم، وعمومًا كان يعامل أُسرته بلا مبالاةٍ ويسخر قليلًا منها. وكان يعيش هو وأُسرته على الدَّين، ويستدين من أيِّ شخصٍ حيثما كان، وفي أيِّ فرصة مناسبة، ولا يستثني حتى رؤساءه والفرَّاشين. كان شخصيةً رخوة، كسولة إلى حدِّ اللامبالاة التامة بالنفس، تسبح مع التيَّار دونما وجهة أو غرض معلومَين، فحيثما يسوقونه يمضي، فإذا ساقوه إلى حانةٍ مضى، وإذا وضعوا أمامه خمرًا شرب، فإن لم يضعوا لم يشرب. وإذا سبُّوا أمامه الزوجات سبَّ زوجته، مؤكدًا أنها أفسدَت عليه حياته، وإذا مدحوا الزوجات مدحها أيضًا وقال بإخلاص: «إنني أحبُّها جدًّا، هذه المسكينة.» لم يكُن لديه مِعطفٌ فِراء، فكان دائمًا يحمل حِرامًا تفوح منه رائحة فراش الأطفال. وعندما كان يشرد أثناء العشاء فيكوِّر من لُبِّ الخبز كراتٍ صغيرةً ويجرع كثيرًا من النبيذ الأحمر، كان يراودني، ويا للغرابة! إحساس يبلغ اليقين تقريبًا بأن هناك شيئًا ما يقبع في داخله، شيئًا يدركه هو نفسه على الأرجح بصورة مبهمة، لكنه في غمار المشاغل والابتذال لا يجد الوقت لفهمه وتقديره. كان يعزف قليلًا على البيانو، فكان يجلس أحيانًا إلى البيانو فيدقُّ بضعة أنغام ثم يشرع في الغناء بصوت خافت: ماذا تخبئ يا غدي الآتي؟
ولكنه ينهض على الفور، كأنما فزع، ويبتعد عن البيانو.
كان الضيوف يَفِدون عادةً في حوالي العاشرة، يجلسون في غرفة مكتب أرلوف يلعبون الورق، ونُقدِّم لهم أنا وبوليا الشاي. وهنا فقط كنتُ أستطيع أن أدرك، كما يجب، كل لذة الخدمة؛ أن تقف طوال أربع أو خمس ساعات بجوار الباب، وتهتم بألَّا تفرغ الأكواب، وتغير منافض السجائر، وتُهرَع إلى المائدة لترفع قِطَع طباشير أو ورقة لعب سقطَت، والمُهمُّ أن تقف وتنتظر وتكون منتبهًا، وإياكَ أن تتكلم أو تسعل أو تبتسم … إنني أؤكد لكم أن ذلك أشقُّ من أشقِّ عملٍ فِلاحي. في زمنٍ ما كنتُ أقف في نوبة الحراسة أربع ساعاتٍ في ليالي الشتاء العاصفة، وأرى أن الوقوف في نوبة الحراسة أسهل بما لا يُقارن.
كانوا يلعبون الورق تقريبًا حتى الساعة الثانية صباحًا، وأحيانًا حتى الثالثة، ثم يتوجهون، وهم يتمطَّون، إلى غرفة الطعام لتناول العشاء، أو كما كان أرلوف يقول، لأكل لقمة. وأثناء العشاء يدور الحديث، كان يبدأ عادةً بأن يشرع أرلوف، بعينَين ضاحكتَين، في الحديث عن أحد المعارف، أو عن كتابٍ قرأه مؤخرًا، أو عن تعيين أو مشروع جديد. وسرعان ما يلتقط الخيط كوكوشكين المنافق، وتبدأ، حسب مزاجي آنذاك، موسيقى مُقرفة. ولم تكُن سخرية أرلوف وأصدقائه تعرف حدودًا، ولا ترحم أحدًا أو شيئًا. فإذا تحدثوا عن الدين فهي سخرية، وإذا تحدثوا عن الفلسفة ومغزى وأهداف الوجود فهي سخرية، وإذا أثار أحدُهم قضية الشعب فهي سخرية. ثمة في بطرسبرج طراز خاص من الناس لا عمل لهم إلا التندُّر بكل ظاهرة من ظواهر الحياة. وهم لا يستطيعون أن يمرُّوا حتى بجائع أو منتحر دون أن يتفوَّهوا بأشياء وضيعة. لكنَّ أرلوف وأصدقاءه لم يكونوا يمزحون أو يتندَّرون، بل يتحدثون بسخرية. كانوا يقولون إن **** غير موجود، وإن الفرد يفنى تمامًا بموته، أما الخالدون فلا وجود لهم إلا في المجتمع الفرنسي.
ولا وجود للنعمة الحقيقية، ولا يمكن أن تُوجَد، لأن وجودها رهن بالكمال الإنساني الذي هو لغو منطقي. وروسيا بلد مُمل تعيس مثلها مثل بلاد فارس. والمثقفون لا أمل فيهم، فالغالبية العُظمى منهم، في رأي بيكارسكي، تتألف من أشخاص غير أكفاء ولا جدوى منهم. أمَّا الشعب فأدمن الشراب واستسلم للكسل وتفشَّت فيه السرقة وأخذ ينقرض. وليس لدينا علم، والأدب شائه، والتجارة لا تقوم إلا على الاحتيال، «بلا خداع، لا شيء يباع»، وكل شيء على هذا النحو، وكل شيء مُضحك.
وبفعل الخمر يدبُّ المرح في ختام العشاء، فينتقل الضيوف إلى أحاديث مرحة، فيهزءون بحياة جروزين العائلية، وبانتصارات كوكوشكين أو بيكارسكي الذي كان دفتر حساباته، كما يُقال، يتضمن صفحةً بعنوان لأعمال البر، وصفحةً أخرى بعنوان لمتطلبات الجسد. وكانوا يقولون إنه ليس هناك زوجاتٌ مخلصات، وليس هناك زوجةٌ لا يمكن أن تحصل منها، بشيء من الخبرة، على الودِّ دون أن تغادر غرفة الجلوس، بينما يجلس زوجها قريبًا في غرفة المكتب، والفتيات المراهقات فاسقات وأصبحن يعرفن كل شيء. ويحتفظ أرلوف لديه برسالة تلميذة في الرابعة عشرة، كانت عائدةً من المدرسة ﻓ «علَّقَت في شارع نيفسكي ضابطًا»، وحسب قولها أخذها إلى بيته ولم يتركها إلا في ساعة متأخرة، أمَّا هي فأسرعَت تكتب عن ذلك إلى صديقتها لكي تُفضي إليها بإعجابها. وكانوا يقولون إن طهارة الأخلاق لم تُوجَد أبدًا ولا وجود لها إطلاقًا، فالظاهر أنه لا حاجة إليها، فالبشرية عاشت حتى الآن في غِنًى عنها تمامًا. أمَّا الضرر الناشئ عمَّا يُسمَّى بالفسق فمُبالغٌ فيه بالتأكيد، والشذوذ الذي تشير إليه لائحة العقوبات عندما لم يمنع ديوجين من أن يصبح فيلسوفًا ومُعلمًا. وكان قيصر وشيشرون فاسقَين، وفي الوقت نفسه رجلَين عظيمَين. أمَّا العجوز كاتون فتزوَّج فتاةً شابَّة، ومع ذلك ظلَّ يعد تقيًّا صارمًا وقيِّمًا على الأخلاق.
وفي الثالثة أو الرابعة يتفرق الضيوف أو يرحلون معًا إلى خارج المدينة أو إلى شارع أفيتسيرسكايا، إلى سيدة تُدعى فارفارا أو سيبوفنا، أمَّا أنا فأذهب إلى غرفة الخدم وأظلُّ طويلًا لا أستطيع النوم بسبب الصداع والسعال.
فكنتُ أوصي في المطعم على قطعة روزبيف، وأتصل تليفونيًّا بمتجر يليسييف ليرسلوا لنا بعض الكافيار والجبن والقواقع البحرية وغيرها. وأبتاع ورق اللعب. أمَّا بوليا فكانت تُعِدُّ منذ الصباح آنية الشاي وأدوات المائدة للعشاء. وللحقيقة فإن هذا النشاط الصغير كان يُضفي تجديدًا ما على حياتنا الفارغة، فكانت أيام الخميس بالنسبة لنا أكثر الأيام متعة.
لم يكُن يأتي من الضيوف غير ثلاثة، وكان أكثرهم رصانة، وربما أكثرهم متعة، ذلك الضيف اللقب ﺑ «بيكارسكي»؛ كان رجلًا طويلًا نحيفًا، في حوالي الخامسة والأربعين، بأنف طويل أحدب، ولحية سوداء كبيرة وصلعة. كانت عيناه واسعتَين جاحظتَين، وعلى وجهه يرتسم تعبير الجدية والتفكير كما على وجه فيلسوف إغريقي. وكان يعمل في إدارة السكك الحديد وفي مصرف، وكان مستشارًا قانونيًّا لمؤسَّسة حكومية مهمَّة ما، وعلى علاقة عمل مع عدد كبير من الأفراد كوصي وكرئيس مجلس الوصاية … إلخ، ولم تكُن رُتبته كبيرة، وكان يقول عن نفسه بتواضع إنه محلف موثق، ولكن نفوذه كان هائلًا. كانت بطاقته أو رسالة قصيرة منه كافيةً لكي يستقبلك طبيب مشهور أو مدير السكك الحديد أو موظف مُهم بدون انتظار دَورك. ويُقال إنه كان من الممكن بواسطته أن تحصل على وظيفة حتمًا من الدرجة الرابعة، وأن تحفظ أيَّ قضية مزعجة ضدَّك. وكان يُعَدُّ رجلًا ذكيًّا جدًّا، بَيْدَ أن ذكاءه كان غريبًا، من نوع خاص، فقد كان بوسعه في برهة واحدة أن يضرب ٢١٣ × ٣٧٣ في ذهنه، أو يُحوِّل الجنيهات الإسترلينية إلى ماركات دون الاستعانة بالقلم أو بجداول التحويل، وكان مُلمًّا بصورة رائعة بشئون السكك الحديد والمالية، ولم تكُن بالنسبة له ثمة أسرار في كل ما يتعلق بأمور الإدارة. وكان في الشئون المدنية، كما يُقال، محاميًا بارعًا ليس من السهل مجاراته. ولكن هذا العقل غير العادي كان لا يفقه البتة كثيرًا من الأمور التي قد يدركها حتى الشخص الغبي. فعلى سبيل المثال لم يستطع أبدًا أن يفهم لماذا يشعر الناس بالملل ويبكون ويتبارزون، بل ويقتلون الآخرين، ولماذا ينفعلون بأشياء وأحداث لا تمسُّهم شخصيًّا، ولماذا يضحكون عندما يقرءون جوجول أو شيدرين.فكل ما كان مجرَّدًا، محلقًا في سماء الفكر والأحاسيس، كان بالنسبة له غير مفهوم ومُملًّا، مثل الموسيقى لشخص لا يتذوقها. وكان ينظر إلى الناس من وجهة نظر عملية فقط، ويُصنِّفهم إلى موهوبين وغير موهوبين، وأيُّ تقسيم آخر لم يكُن له وجود لديه. فالشرف والاستقامة ليسا إلا علامةً على الموهبة.
والعربدة ولعب الورق والفسق ممكنة، بشرط ألَّا تعوق العمل. والإيمان ب**** غباء، بَيْدَ أن الدين ينبغي أن يكون مَصونًا لا يُمس، لأن الشعب بحاجة إلى قوة رادعة وإلا فلن يعمل. والعقوبات ضرورية فقط للتخويف. ولا حاجة للتصييف في الدور الريفية، لأن المعيشة في المدينة أيضًا طيبة … وهكذا دواليك. كان أرمل وليس لديه *****، بَيْدَ أنه كان يحيا حياةً بحبوحةً عائليةً ويدفع ثلاثة آلاف روبل سنويًّا إيجارًا للشقة.
أمَّا الضيف الآخر، كوكوشكين، مستشار الدولة الجديد، فقد كان قصير القامة، ويتميز بتعبير كريه إلى أقصى حدٍّ يُضفيه عليه عدم التناسق بين جذعه البدين المكتنز ووجهه الصغير النحيل. وكانت شفتاه على شكل قلب، وشاربه المقصوص يبدو كأنه قد لُصق باللاك. كانت حركاته كحركات السحلية؛ فلم يكُن يدخل بل يدلف زاحفًا وهو يبدل بقدميه بسرعة ويتمايل ويهأهئ، وعندما يضحك يُكشَّر عن أنيابه. كان موظفًا للمهمَّات الخاصة لدى شخصٍ ما، ولم يكُن يفعل شيئًا رغم أنه يتقاضى مرتبًا كبيرًا، وخاصةً صيفًا، عندما يخترعون له شتَّى المأموريات. كان وصوليًّا لا إلى النخاع فحسب، بل إلى أعمق من ذلك، إلى آخر قطرة ددمم، وفوق ذلك، وصوليًّا تافهًا، غير واثقٍ من نفسه، يبني مستقبله على الصَّدَقات وحدها. فمن أجل وسامٍ أجنبيٍّ ما، أو من أجل أن تكتب الصحف أنه حضر جنازًا أو قُدَّاسًا مع شخصيات كبيرة، كان مستعدًّا لأيِّ مَهانة، لأن يستعطف ويتملَّق ويعد. وبدافع الجبن كان يتملَّق أرلوف وبيكارسكي، لأنه كان يعتبرهما من الأقوياء، ويتملَّق بوليا ويتملَّقني لأننا نخدم عند شخص ذي نفوذ. وعندما كنتُ أنزع عنه المعطف كان دائمًا يهأهئ ويسألني: «هل أنت متزوج يا ستيبان؟» وتتلو ذلك مداعبة مبتذلة فجَّة، كنوع من الاهتمام الخاص بي. كان كوكوشكين ينافق نقائص أرلوف وفساده وشبعه. ولكي يعجبه تظاهر بأنه ساخر شرير ومُلحد، وكان ينتقد معه أولئك الذين كان يرائيهم بمذلة في مكان آخر. وعندما كان الحديث يتطرق أثناء العشاء إلى النساء والحب، كان يتظاهر بأنه فاسق داهية ذواقة. وعمومًا فمن الجدير بالذكر أن ماجني بطرسبرج يحبُّون التحدث عن أذواقهم الفريدة. فقد يُقنع أحد مستشاري الدولة الجدد كل القناعة بملاطفات طاهيته أو إحدى البائسات المتسكعات في شارع نيفسكي، فإذا ما سمعتَه يتحدث خُيِّل إليك أنه مُصاب بكل رذائل الشرق والغرب، وأنه عضو فخري في عشرات الجمعيات السرية المشبوهة وأصبح تحت رقابة الشرطة. وكان كوكوشكين يروي عن نفسه الأكاذيب بلا خجل، وليست المسألة أن أحدًا لم يكُن يُصدِّقه، بل لم يكونوا يعيرون أذنًا صاغيةً لأكاذيبه.
أمَّا الضيف الثالث فهو جروزين؛ ابن أحد الجنرالات العلماء المحترمين، من عمر أرلوف، أشقر طويل الشعر، ضعيف النظر، يضع نظارةً مُذهبة. وأذكر أصابعه الطويلة الشاحبة كأصابع عازف البيانو، وعمومًا فقد كان في هيئته كلها شيءٌ ما موسيقي، حاذق، وأشخاص بمثل هذه الهيئة يلعبون في الأوركسترات دَور العازف الأول. كان يسعل ويعاني من الصداع، وعمومًا كان يبدو مريضًا وضعيفًا. وأغلب الظنِّ أنهم في البيت كانوا ينزعون عنه ثيابه ويُلبسونه كطفل. وقد درس القانون في معهدٍ والتحق بوظيفةٍ في إدارة المَحاكم، ثم نقل إلى مجلس الشيوخ، ولكنه استقال وحصل بالواسطة على وظيفة بوزارة الممتلكات الحكومية، ثم سرعان ما ترك الوظيفة مرةً أخرى. وفي فترة خدمتي كان يعمل في قسم أرلوف رئيسًا لقلم، ولكنه كان يُصرِّح بأنه سينتقل ثانيةً إلى إدارة المَحاكم. كان ينظر إلى الخدمة وإلى تنقلاته من مكان إلى مكان باستهتار نادر، وعندما كانوا يتحدثون في حضوره بجدية عن الرُّتَب والأوسمة والرواتب، كان يبتسم ببشاشة ويُردِّد قول بروتكوف المأثور: «في الوظيفة الحكومية فقط يدرك المرء الحقيقة!» وكانت لديه زوجة صغيرة بوجه مُغضَّن، غيورة جدًّا، وخمسة ***** هزالى. وكان يخون زوجته، ويحبُّ أطفاله فقط عندما يراهم، وعمومًا كان يعامل أُسرته بلا مبالاةٍ ويسخر قليلًا منها. وكان يعيش هو وأُسرته على الدَّين، ويستدين من أيِّ شخصٍ حيثما كان، وفي أيِّ فرصة مناسبة، ولا يستثني حتى رؤساءه والفرَّاشين. كان شخصيةً رخوة، كسولة إلى حدِّ اللامبالاة التامة بالنفس، تسبح مع التيَّار دونما وجهة أو غرض معلومَين، فحيثما يسوقونه يمضي، فإذا ساقوه إلى حانةٍ مضى، وإذا وضعوا أمامه خمرًا شرب، فإن لم يضعوا لم يشرب. وإذا سبُّوا أمامه الزوجات سبَّ زوجته، مؤكدًا أنها أفسدَت عليه حياته، وإذا مدحوا الزوجات مدحها أيضًا وقال بإخلاص: «إنني أحبُّها جدًّا، هذه المسكينة.» لم يكُن لديه مِعطفٌ فِراء، فكان دائمًا يحمل حِرامًا تفوح منه رائحة فراش الأطفال. وعندما كان يشرد أثناء العشاء فيكوِّر من لُبِّ الخبز كراتٍ صغيرةً ويجرع كثيرًا من النبيذ الأحمر، كان يراودني، ويا للغرابة! إحساس يبلغ اليقين تقريبًا بأن هناك شيئًا ما يقبع في داخله، شيئًا يدركه هو نفسه على الأرجح بصورة مبهمة، لكنه في غمار المشاغل والابتذال لا يجد الوقت لفهمه وتقديره. كان يعزف قليلًا على البيانو، فكان يجلس أحيانًا إلى البيانو فيدقُّ بضعة أنغام ثم يشرع في الغناء بصوت خافت: ماذا تخبئ يا غدي الآتي؟
ولكنه ينهض على الفور، كأنما فزع، ويبتعد عن البيانو.
كان الضيوف يَفِدون عادةً في حوالي العاشرة، يجلسون في غرفة مكتب أرلوف يلعبون الورق، ونُقدِّم لهم أنا وبوليا الشاي. وهنا فقط كنتُ أستطيع أن أدرك، كما يجب، كل لذة الخدمة؛ أن تقف طوال أربع أو خمس ساعات بجوار الباب، وتهتم بألَّا تفرغ الأكواب، وتغير منافض السجائر، وتُهرَع إلى المائدة لترفع قِطَع طباشير أو ورقة لعب سقطَت، والمُهمُّ أن تقف وتنتظر وتكون منتبهًا، وإياكَ أن تتكلم أو تسعل أو تبتسم … إنني أؤكد لكم أن ذلك أشقُّ من أشقِّ عملٍ فِلاحي. في زمنٍ ما كنتُ أقف في نوبة الحراسة أربع ساعاتٍ في ليالي الشتاء العاصفة، وأرى أن الوقوف في نوبة الحراسة أسهل بما لا يُقارن.
كانوا يلعبون الورق تقريبًا حتى الساعة الثانية صباحًا، وأحيانًا حتى الثالثة، ثم يتوجهون، وهم يتمطَّون، إلى غرفة الطعام لتناول العشاء، أو كما كان أرلوف يقول، لأكل لقمة. وأثناء العشاء يدور الحديث، كان يبدأ عادةً بأن يشرع أرلوف، بعينَين ضاحكتَين، في الحديث عن أحد المعارف، أو عن كتابٍ قرأه مؤخرًا، أو عن تعيين أو مشروع جديد. وسرعان ما يلتقط الخيط كوكوشكين المنافق، وتبدأ، حسب مزاجي آنذاك، موسيقى مُقرفة. ولم تكُن سخرية أرلوف وأصدقائه تعرف حدودًا، ولا ترحم أحدًا أو شيئًا. فإذا تحدثوا عن الدين فهي سخرية، وإذا تحدثوا عن الفلسفة ومغزى وأهداف الوجود فهي سخرية، وإذا أثار أحدُهم قضية الشعب فهي سخرية. ثمة في بطرسبرج طراز خاص من الناس لا عمل لهم إلا التندُّر بكل ظاهرة من ظواهر الحياة. وهم لا يستطيعون أن يمرُّوا حتى بجائع أو منتحر دون أن يتفوَّهوا بأشياء وضيعة. لكنَّ أرلوف وأصدقاءه لم يكونوا يمزحون أو يتندَّرون، بل يتحدثون بسخرية. كانوا يقولون إن **** غير موجود، وإن الفرد يفنى تمامًا بموته، أما الخالدون فلا وجود لهم إلا في المجتمع الفرنسي.
ولا وجود للنعمة الحقيقية، ولا يمكن أن تُوجَد، لأن وجودها رهن بالكمال الإنساني الذي هو لغو منطقي. وروسيا بلد مُمل تعيس مثلها مثل بلاد فارس. والمثقفون لا أمل فيهم، فالغالبية العُظمى منهم، في رأي بيكارسكي، تتألف من أشخاص غير أكفاء ولا جدوى منهم. أمَّا الشعب فأدمن الشراب واستسلم للكسل وتفشَّت فيه السرقة وأخذ ينقرض. وليس لدينا علم، والأدب شائه، والتجارة لا تقوم إلا على الاحتيال، «بلا خداع، لا شيء يباع»، وكل شيء على هذا النحو، وكل شيء مُضحك.
وبفعل الخمر يدبُّ المرح في ختام العشاء، فينتقل الضيوف إلى أحاديث مرحة، فيهزءون بحياة جروزين العائلية، وبانتصارات كوكوشكين أو بيكارسكي الذي كان دفتر حساباته، كما يُقال، يتضمن صفحةً بعنوان لأعمال البر، وصفحةً أخرى بعنوان لمتطلبات الجسد. وكانوا يقولون إنه ليس هناك زوجاتٌ مخلصات، وليس هناك زوجةٌ لا يمكن أن تحصل منها، بشيء من الخبرة، على الودِّ دون أن تغادر غرفة الجلوس، بينما يجلس زوجها قريبًا في غرفة المكتب، والفتيات المراهقات فاسقات وأصبحن يعرفن كل شيء. ويحتفظ أرلوف لديه برسالة تلميذة في الرابعة عشرة، كانت عائدةً من المدرسة ﻓ «علَّقَت في شارع نيفسكي ضابطًا»، وحسب قولها أخذها إلى بيته ولم يتركها إلا في ساعة متأخرة، أمَّا هي فأسرعَت تكتب عن ذلك إلى صديقتها لكي تُفضي إليها بإعجابها. وكانوا يقولون إن طهارة الأخلاق لم تُوجَد أبدًا ولا وجود لها إطلاقًا، فالظاهر أنه لا حاجة إليها، فالبشرية عاشت حتى الآن في غِنًى عنها تمامًا. أمَّا الضرر الناشئ عمَّا يُسمَّى بالفسق فمُبالغٌ فيه بالتأكيد، والشذوذ الذي تشير إليه لائحة العقوبات عندما لم يمنع ديوجين من أن يصبح فيلسوفًا ومُعلمًا. وكان قيصر وشيشرون فاسقَين، وفي الوقت نفسه رجلَين عظيمَين. أمَّا العجوز كاتون فتزوَّج فتاةً شابَّة، ومع ذلك ظلَّ يعد تقيًّا صارمًا وقيِّمًا على الأخلاق.
وفي الثالثة أو الرابعة يتفرق الضيوف أو يرحلون معًا إلى خارج المدينة أو إلى شارع أفيتسيرسكايا، إلى سيدة تُدعى فارفارا أو سيبوفنا، أمَّا أنا فأذهب إلى غرفة الخدم وأظلُّ طويلًا لا أستطيع النوم بسبب الصداع والسعال.
٤
بعد حوالي ثلاثة أسابيع من التحاقي بخدمة أرلوف، وفي صباح يوم أحد، على ما أذكر، قرع أحدُهم الجرس. كانت الساعة تقارب الحادية عشرة وأرلوف ما زال نائمًا. وذهبت لأفتح الباب. وبوسعكم أن تتصوَّروا مدى ذهولي؛ فعلى بسطة السُّلَّم، خلف الباب، كانت تقف سيدةٌ ترخي «الفوال» على وجهها.
وسألَت: هل استيقظ جيورجي إيفانيتش؟
ومن صوتها عرفتُ أنها زينائيدا فيودوروفنا، التي كنت أحمل إليها الرسائل في شارع زنامينسكايا. ولستُ أذكر هل تمكنتُ من الإجابة إذ كنتُ مرتبكًا برؤيتها أمامي. وعلى كلٍّ فلم تكُن بحاجة إلى إجابتي، ففي لحظة واحدة مرقَت بجواري، وبعد أن عبأت المدخل بأريج عطرها الذي ما زلتُ أذكره جيدًا حتى الآن، غابت في الشقة وخفَت وقعُ خطواتها. ولمدة نصف ساعة على الأقلِّ بعد ذلك لم يُسمع شيء. ولكن أحدًا آخر قرع الجرس ثانية؛ كانت في هذه المرة فتاة متأنقة بتكلف، يبدو أنها خادمة في بيت ثري ومعها حاجبنا، وكان كلاهما يلهث وهما يحملان إلى داخل الشقة حقيبتَين وسلَّة سفر.
وقالت الفتاة: هذا لزينائيدا فيودوروفنا.
وانصرفَت دون أن تضيف كلمةً أخرى. وبدَا كل ما حدث غامضًا، أثار لدى بوليا التي كانت تُجلُّ شقاوات سيدها، ابتسامةً ماكرةً كأنما كانت تريد أن تقول: «انظر، ما أروعنا!» وظلَّت طول الوقت تمشي على أطراف أصابعها. وأخيرًا تردَّد وقعُ خطوات، ودلفَت زينائيدا فيدوروفنا إلى المدخل بسرعة، وعندما رأتني واقفًا على باب غرفتي قالت: يا ستيبان، ساعد جيورجي إيفانيتش على ارتداء ملابسه.
حينما دخلتُ إلى أرلوف حاملًا البدلة والحذاء كان جالسًا على السرير مُدليًا ساقَيه فوق فِراء الدب. وكانت هيئته كلها تُعبِّر عن الخجل. ولم يلحظني ولم يكُن مهتمًّا برأيي كخادم، إذ يبدو أنه كان خجِلًا مرتبكًا أمام نفسه، أمام «عينه الباطنية». وارتدى ملابسه، واغتسل ثم سوَّى شعره بالفُرَش والأمشاط، كل ذلك في صمت وعلى مهل، كأنما يعطي لنفسه وقتًا أطول للتفكير في وضعه ولتدبُّره، وكان واضحًا حتى من ظهره أنه خجِلٌ وغير راضٍ عن نفسه.
وشربَا القهوة معًا؛ صبَّت زينائيدا فيودوروفنا من الإبريق لها ثم لأرلوف، ثم وضعَت مرفقَيها على الطاولة وضحكَت قائلة: ما زلتُ لا أصدق. عندما تنتقل طويلًا ثم تأتي إلى الفندق، فإنك تظلُّ غير مُصدِّق أنه لن يكون عليك أن ترحل بعد. ما أطيب أن تتنفس بحرية!
وتنفَّسَت بحرية كفتاة صغيرة ترغب بقوة في أن تتشاقى، وضحكَت من جديد.
وقال أرلوف مُومِئًا إلى الصحف: أرجو أن تعذريني، فقراءة الصحف مع القهوة عادةٌ لا تُقهر عندي، ولكني أستطيع أن أقوم بعملَين في وقت واحد؛ أن أقرأ وأستمع.
– اقرأ، اقرأ … عاداتك وحريتك ستظلُّ كما هي. ولكن لماذا يبدو وجهكَ ممتعضًا؟ هل أنتَ دائمًا هكذا في الصباح أم اليوم فقط؟ ألستَ مسرورًا بي؟
– بالعكس، ولكني، بصراحة، مأخوذ قليلًا.
– ولماذا؟ كان لديك الوقتُ لكي تستعدَّ لهجومي، لقد كنتُ أهدِّدك بذلك كل يوم.
– نعم، ولكني لم أتوقَّع أن تُنفِّذي تهديدكِ اليوم بالذات.
– وأنا أيضًا لم أتوقَّع، ولكن هذا أفضل، أفضل يا صديقي. اخلع السنَّ المريضة دفعةً واحدةً وانتهينا.
– نعم، طبعًا.
فقالت وهي تغمض عينيها: آه يا حبيبي! كل ما ينتهي بخير فهو حسن، ولكنْ كم كان من مواجعَ قبل أن ينتهيَ بخير! لا تنخدع بضحكي، فأنا مسرورة، سعيدة، ولكني أرغب في البكاء أكثر من الضحك. واستطردَت تقول بالفرنسية: بالأمس خضتُ معركةً طويلة، **** وحده يعلم كم قاسيت، ولكني أضحك لأني ما زلتُ لا أُصدِّق. يُخيَّل إليَّ أنني أجلس معكَ وأشرب القهوة لا في اليقظة، بل في الحلم.
ثم واصلَت الحديث بعد ذلك بالفرنسية، فروَت كيف انفصلَت بالأمس عن زوجها، وكانت عيناها تغرورقان بالدموع، وتارةً تضحكان وتنظران إلى أرلوف بإعجاب. وروَت أن زوجها كان يشكُّ فيها منذ زمن طويل، ولكنه كان يتحاشى المصارحة. وكثيرًا ما كانت تدبُّ بينهما الخلافات، ولكنه كان عادةً، في ذروة الشجار، يصمت، وينصرف إلى مكتبه كي لا يُفضي فجأةً بشكوكه في لحظة غضب، وحتى لا تبدأ هي المصارحة. أمَّا هي فكانت تحسُّ بنفسها مُذنبة، تافهة وغير قادرة على اتخاذ خطوة جريئة جادة، وبسبب ذلك كانت في كل يوم تزداد كراهيةً لنفسها ولزوجها، وتتعذب كما في الجحيم. ولكن بالأمس، أثناء الشجار، عندما صرخ بصوتٍ باكٍ: «متى ينتهي هذا كله يا إلهي؟!» وانصرف إلى مكتبه، انطلقَت وراءه كالقطة وراء الفأر، ومنعَته من إغلاق الباب خلفه، وصاحت بأنها تكرهه من صميم قلبها. عندئذٍ تركها تدخل غرفة المكتب، فصارحَته بكل شيء واعترفَت له بأنها تحبُّ شخصًا آخر، وأن هذا الشخص هو زوجها الحقيقي، الشرعي بحق، وأن ضميرها يُملي عليها أن تنتقل إليه اليوم فورًا، بالرغم من كل شيء، حتى لو أطلقوا عليها النار من مدفع.
فقاطعها أرلوف دون أن يُحوِّل عينيه عن الصحف: فيكِ ينبض عِرق رومانسي قوي.
فضحكَت ومَضَت تتحدث دون أن تمسَّ قهوتها. وتورَّد خدَّاها، فأحرجها هذا بعض الشيء، فراحت تتطلع إليَّ وإلى بوليا بارتباك. وعرفتُ من بقية روايتها أن زوجها ردَّ عليها بالعتاب والتهديد، وفي النهاية بالدموع، وكان من الأصوب القول بأنه هو، لا هي، الذي خاض المعركة.
ومضَت تقول: نعم يا صديقي، لقد سار كل شيء بصورة رائعة عندما كانت أعصابي متماسكة، ولكن ما إن حلَّ الليلُ حتى انهارت معنوياتي. أنتَ يا جورج لا تؤمن ب****، أمَّا أنا فأومن قليلًا وأخشى القِصاص. **** يأمرنا بالصبر والتسامح والتفاني، وإذا بي أرفض أن أصبر، وأريد أن أرتِّب حياتي كما يحلو لي، فهل هذا طيِّب؟ ماذا لو أنه من وجهة نظر الربِّ ليس طيبًا؟ في الساعة الثانية صباحًا جاء زوجي إلى غرفتي وقال: «لن تجرئي على الذهاب، سأرغمكِ على العودة بفضيحة عن طريق الشرطة.» وبعد فترة قصيرة رأيته ثانيةً عند بابي كالظل، قال: «ارحميني، هروبكِ قد يضرُّ بمركزي في العمل.» كان لهذه الكلمات وقعٌ فظٌّ في نفسي، أحسستُ كأنما علاني الصدأ منها، وفكرتُ في أن القِصاص قد بدأ، فأخذتُ أرتعش من الخوف وأبكي. وخُيِّل إليَّ أن السقف سينهار فوقي، وأنهم سيسوقونني الآن إلى الشرطة، وأنكَ ستكفُّ عن حُبِّك لي، باختصار تصوَّرتُ أشياءَ لا يعلمها إلا ****! فقلتُ لنفسي سأدخل الدير، أو أعمل مُمرضةً في مستشفًى ما، ولأتخلَّ عن السعادة، ولكني أتذكر على الفور أنكَ تحبُّني، وأنه لا يحقُّ لي التصرف في نفسي دون الرجوع إليك، فيختلط كل شيء في ذهني، فلا أدري من اليأس فيمَ أفكر ولا ماذا أفعل! ولكن الشمس أشرقَت، فعاد إلي المرح. وانتظرتُ حلول الصباح وطرتُ إليك. آه، كم تعذبتُ يا حبيبي! لم أنَم ليلتَين متتاليتَين!
كانت مُرهقةً ومُنفعلة. كانت تريد، في وقتٍ واحد، أن تنام، وأن تتحدث بلا نهاية، وأن تضحك، وأن تبكي، وأن تذهب إلى المطعم للإفطار لكي تحسَّ بنفسها حُرة.
وبعد أن تناولَت القهوة قالت وهي تتفقد جميع الغرف بسرعة: شقتك لطيفة، ولكني أخشى أن تكون ضيِّقةً لشخصَين. أيُّ غرفة ستُخصِّصها لي؟ تعجبني هذه، لأنها مجاورة لغرفة مكتبك.
وفي الساعة الثانية غيَّرت ملابسها في الغرفة المجاورة للمكتب، والتي أصبحَت تُسميها غرفتها، ورحلَت مع أرلوف لتناول الإفطار. وتغدَّيَا أيضًا في المطعم، وفي الفترة الطويلة الواقعة بين الإفطار والغداء طافَا بالمتاجر. وظلِلْتُ حتى ساعة متأخرة من المساء أفتح الباب لوكلاء وسُعاة المحلات وأتسلَّم منهم شتَّى المشتريات. وكان من بين ما أتَوا به تسريحة رائعة، وطاولة تواليت، وسرير، وطقم شاي فاخر لم نكُن بحاجة إليه. وأتَوا بعائلة كاملة من قُدور الطبخ النحاسية، وضعناها صفًّا على رفٍّ في مطبخنا الخاوي البارد. وعندما كنا نفضُّ لفَّة طاقم الشاي اتقدَت عينَا بوليا، ونظرَت نحوي عدة مرات بحقد وخوف من أن أكون أنا، لا هي، ربما البادئ بسرقة قدح من هذه الأقداح الرشيقة. وجاءوا بطاولة مكتب حريمي، غالية جدًّا، ولكنها غير مريحة. يبدو أن زينائيدا فيودوروفنا كانت عازمةً على الاستقرار هنا بصورة راسخة، كربَّة بيت.
وعادت مع أرلوف في حوالي العاشرة. ولمَّا كانت مُشبَعةً بإدراك فخور بأنها أقدمَت على شيء جريء وغير عادي، عاشقةً بهيام، وكما خُيِّل إليها، معشوقةً بهيام، ساهمة، مُمنيةً نفسها بنومٍ عميقٍ سعيد، فقد سكرَت زينائيدا فيودوروفنا بنشوة الحياة الجديدة. كانت من فرط السعادة تفرك يديها بقوة، مؤكِّدةً أن كل شيء رائع، وتُقسِم إنها ستحبُّ إلى الأبد، وهذه الأيمان وتلك الثقة الساذجة، الطفولية تقريبًا، بأنها هي أيضًا محبوبة بقوة وستظلُّ محبوبة إلى الأبد، جعلَتها تبدو أصغر بخمس سنوات، وراحت تتفوَّه بهُراءٍ جميلٍ وتضحك من نفسها.
وقالت وهي تجبر نفسها على أن تقول شيئًا ما جادًّا وذا أهمية: ليس هناك نعمةٌ أسمى من الحرية! انظر إلى هذه السخافة. إننا لا نُقدِّر أبدًا رأينا الخاص، حتى ولو كان سديدًا، بينما نرتعش وجلًا أمام رأي شتَّى الحمقى. كنتُ أخشى آراء الآخرين حتى آخر لحظة، ولكنْ ما إن اتبعتُ رأيي أنا، وقرَّرتُ أن أعيش كما أرى، حتى تفتَّحَت عيناي، وتغلَّبتُ على خوفي الأحمق، وأصبحتُ الآن سعيدةً وأتمنى للجميع مثل هذه السعادة.
ولكن سرعان ما ينقطع حبل أفكارها، فتعود للحديث عن الشقة الجديدة، وعن أوراق الحيطان، والخيول، وعن رحلة إلى سويسرا وإيطاليا. أمَّا أرلوف فكان مرهقًا من الذهاب إلى المطاعم والمتاجر، وظلَّ يعاني من ذلك الخجل الذاتي الذي لاحظَته عليه في الصباح. كان يبتسم ولكنْ بدافع الأدب أكثر منه بدافع السرور، وعندما تتحدث عن شيءٍ ما جِدِّيٍّ كان يؤمِّن بسخرية: «أوه، نعم!»
وقالت تخاطبني: يا ستيبان، ابحث بسرعة عن طباخ جيد.
فقال أرلوف وهو يرمقني بنظرة باردة: لا داعي للاستعجال بالمطبخ، ينبغي أن ننتقل أولًا إلى الشقة الجديدة.
لم يكُن يحتفظ لديه أبدًا بمطبخ أو خيول، فقد كان على حدِّ قوله «لا يحبُّ اقتناء الأقذار لديه»، ولم يكُن يطيق بقاءنا أنا وبوليا في شقته إلا لحاجته إلينا. فما يُسمَّى بالعُشِّ العائلي، بأفراحه وأتراحه العادية، كان يُهين ذوقه بابتذاله. وأن تكون المرأة حبلى أو يكون لديها أولاد وتتحدث عنهم، لهو قِلَّة ذوق وسوقية. ومن ثَم فقد كان في غاية الطرافة بالنسبة لي أن أتصوَّر كيف سيتعايش في شقة واحدة هذان المخلوقان؛ هي السيدة المنزلية، ربَّة الدار، بقدورها النحاسية وأحلامها بطباخ جيد وبالخيول … وهو الذي كثيرًا ما كان يقول لأصحابه إنه في شقة الرجل القويم النظيف، كما في السفينة الحربية، لا ينبغي أن يكون هناك شيءٌ زائد … لا نساء، لا *****، لا خِرَق، لا أواني مطبخ …
وسألَت: هل استيقظ جيورجي إيفانيتش؟
ومن صوتها عرفتُ أنها زينائيدا فيودوروفنا، التي كنت أحمل إليها الرسائل في شارع زنامينسكايا. ولستُ أذكر هل تمكنتُ من الإجابة إذ كنتُ مرتبكًا برؤيتها أمامي. وعلى كلٍّ فلم تكُن بحاجة إلى إجابتي، ففي لحظة واحدة مرقَت بجواري، وبعد أن عبأت المدخل بأريج عطرها الذي ما زلتُ أذكره جيدًا حتى الآن، غابت في الشقة وخفَت وقعُ خطواتها. ولمدة نصف ساعة على الأقلِّ بعد ذلك لم يُسمع شيء. ولكن أحدًا آخر قرع الجرس ثانية؛ كانت في هذه المرة فتاة متأنقة بتكلف، يبدو أنها خادمة في بيت ثري ومعها حاجبنا، وكان كلاهما يلهث وهما يحملان إلى داخل الشقة حقيبتَين وسلَّة سفر.
وقالت الفتاة: هذا لزينائيدا فيودوروفنا.
وانصرفَت دون أن تضيف كلمةً أخرى. وبدَا كل ما حدث غامضًا، أثار لدى بوليا التي كانت تُجلُّ شقاوات سيدها، ابتسامةً ماكرةً كأنما كانت تريد أن تقول: «انظر، ما أروعنا!» وظلَّت طول الوقت تمشي على أطراف أصابعها. وأخيرًا تردَّد وقعُ خطوات، ودلفَت زينائيدا فيدوروفنا إلى المدخل بسرعة، وعندما رأتني واقفًا على باب غرفتي قالت: يا ستيبان، ساعد جيورجي إيفانيتش على ارتداء ملابسه.
حينما دخلتُ إلى أرلوف حاملًا البدلة والحذاء كان جالسًا على السرير مُدليًا ساقَيه فوق فِراء الدب. وكانت هيئته كلها تُعبِّر عن الخجل. ولم يلحظني ولم يكُن مهتمًّا برأيي كخادم، إذ يبدو أنه كان خجِلًا مرتبكًا أمام نفسه، أمام «عينه الباطنية». وارتدى ملابسه، واغتسل ثم سوَّى شعره بالفُرَش والأمشاط، كل ذلك في صمت وعلى مهل، كأنما يعطي لنفسه وقتًا أطول للتفكير في وضعه ولتدبُّره، وكان واضحًا حتى من ظهره أنه خجِلٌ وغير راضٍ عن نفسه.
وشربَا القهوة معًا؛ صبَّت زينائيدا فيودوروفنا من الإبريق لها ثم لأرلوف، ثم وضعَت مرفقَيها على الطاولة وضحكَت قائلة: ما زلتُ لا أصدق. عندما تنتقل طويلًا ثم تأتي إلى الفندق، فإنك تظلُّ غير مُصدِّق أنه لن يكون عليك أن ترحل بعد. ما أطيب أن تتنفس بحرية!
وتنفَّسَت بحرية كفتاة صغيرة ترغب بقوة في أن تتشاقى، وضحكَت من جديد.
وقال أرلوف مُومِئًا إلى الصحف: أرجو أن تعذريني، فقراءة الصحف مع القهوة عادةٌ لا تُقهر عندي، ولكني أستطيع أن أقوم بعملَين في وقت واحد؛ أن أقرأ وأستمع.
– اقرأ، اقرأ … عاداتك وحريتك ستظلُّ كما هي. ولكن لماذا يبدو وجهكَ ممتعضًا؟ هل أنتَ دائمًا هكذا في الصباح أم اليوم فقط؟ ألستَ مسرورًا بي؟
– بالعكس، ولكني، بصراحة، مأخوذ قليلًا.
– ولماذا؟ كان لديك الوقتُ لكي تستعدَّ لهجومي، لقد كنتُ أهدِّدك بذلك كل يوم.
– نعم، ولكني لم أتوقَّع أن تُنفِّذي تهديدكِ اليوم بالذات.
– وأنا أيضًا لم أتوقَّع، ولكن هذا أفضل، أفضل يا صديقي. اخلع السنَّ المريضة دفعةً واحدةً وانتهينا.
– نعم، طبعًا.
فقالت وهي تغمض عينيها: آه يا حبيبي! كل ما ينتهي بخير فهو حسن، ولكنْ كم كان من مواجعَ قبل أن ينتهيَ بخير! لا تنخدع بضحكي، فأنا مسرورة، سعيدة، ولكني أرغب في البكاء أكثر من الضحك. واستطردَت تقول بالفرنسية: بالأمس خضتُ معركةً طويلة، **** وحده يعلم كم قاسيت، ولكني أضحك لأني ما زلتُ لا أُصدِّق. يُخيَّل إليَّ أنني أجلس معكَ وأشرب القهوة لا في اليقظة، بل في الحلم.
ثم واصلَت الحديث بعد ذلك بالفرنسية، فروَت كيف انفصلَت بالأمس عن زوجها، وكانت عيناها تغرورقان بالدموع، وتارةً تضحكان وتنظران إلى أرلوف بإعجاب. وروَت أن زوجها كان يشكُّ فيها منذ زمن طويل، ولكنه كان يتحاشى المصارحة. وكثيرًا ما كانت تدبُّ بينهما الخلافات، ولكنه كان عادةً، في ذروة الشجار، يصمت، وينصرف إلى مكتبه كي لا يُفضي فجأةً بشكوكه في لحظة غضب، وحتى لا تبدأ هي المصارحة. أمَّا هي فكانت تحسُّ بنفسها مُذنبة، تافهة وغير قادرة على اتخاذ خطوة جريئة جادة، وبسبب ذلك كانت في كل يوم تزداد كراهيةً لنفسها ولزوجها، وتتعذب كما في الجحيم. ولكن بالأمس، أثناء الشجار، عندما صرخ بصوتٍ باكٍ: «متى ينتهي هذا كله يا إلهي؟!» وانصرف إلى مكتبه، انطلقَت وراءه كالقطة وراء الفأر، ومنعَته من إغلاق الباب خلفه، وصاحت بأنها تكرهه من صميم قلبها. عندئذٍ تركها تدخل غرفة المكتب، فصارحَته بكل شيء واعترفَت له بأنها تحبُّ شخصًا آخر، وأن هذا الشخص هو زوجها الحقيقي، الشرعي بحق، وأن ضميرها يُملي عليها أن تنتقل إليه اليوم فورًا، بالرغم من كل شيء، حتى لو أطلقوا عليها النار من مدفع.
فقاطعها أرلوف دون أن يُحوِّل عينيه عن الصحف: فيكِ ينبض عِرق رومانسي قوي.
فضحكَت ومَضَت تتحدث دون أن تمسَّ قهوتها. وتورَّد خدَّاها، فأحرجها هذا بعض الشيء، فراحت تتطلع إليَّ وإلى بوليا بارتباك. وعرفتُ من بقية روايتها أن زوجها ردَّ عليها بالعتاب والتهديد، وفي النهاية بالدموع، وكان من الأصوب القول بأنه هو، لا هي، الذي خاض المعركة.
ومضَت تقول: نعم يا صديقي، لقد سار كل شيء بصورة رائعة عندما كانت أعصابي متماسكة، ولكن ما إن حلَّ الليلُ حتى انهارت معنوياتي. أنتَ يا جورج لا تؤمن ب****، أمَّا أنا فأومن قليلًا وأخشى القِصاص. **** يأمرنا بالصبر والتسامح والتفاني، وإذا بي أرفض أن أصبر، وأريد أن أرتِّب حياتي كما يحلو لي، فهل هذا طيِّب؟ ماذا لو أنه من وجهة نظر الربِّ ليس طيبًا؟ في الساعة الثانية صباحًا جاء زوجي إلى غرفتي وقال: «لن تجرئي على الذهاب، سأرغمكِ على العودة بفضيحة عن طريق الشرطة.» وبعد فترة قصيرة رأيته ثانيةً عند بابي كالظل، قال: «ارحميني، هروبكِ قد يضرُّ بمركزي في العمل.» كان لهذه الكلمات وقعٌ فظٌّ في نفسي، أحسستُ كأنما علاني الصدأ منها، وفكرتُ في أن القِصاص قد بدأ، فأخذتُ أرتعش من الخوف وأبكي. وخُيِّل إليَّ أن السقف سينهار فوقي، وأنهم سيسوقونني الآن إلى الشرطة، وأنكَ ستكفُّ عن حُبِّك لي، باختصار تصوَّرتُ أشياءَ لا يعلمها إلا ****! فقلتُ لنفسي سأدخل الدير، أو أعمل مُمرضةً في مستشفًى ما، ولأتخلَّ عن السعادة، ولكني أتذكر على الفور أنكَ تحبُّني، وأنه لا يحقُّ لي التصرف في نفسي دون الرجوع إليك، فيختلط كل شيء في ذهني، فلا أدري من اليأس فيمَ أفكر ولا ماذا أفعل! ولكن الشمس أشرقَت، فعاد إلي المرح. وانتظرتُ حلول الصباح وطرتُ إليك. آه، كم تعذبتُ يا حبيبي! لم أنَم ليلتَين متتاليتَين!
كانت مُرهقةً ومُنفعلة. كانت تريد، في وقتٍ واحد، أن تنام، وأن تتحدث بلا نهاية، وأن تضحك، وأن تبكي، وأن تذهب إلى المطعم للإفطار لكي تحسَّ بنفسها حُرة.
وبعد أن تناولَت القهوة قالت وهي تتفقد جميع الغرف بسرعة: شقتك لطيفة، ولكني أخشى أن تكون ضيِّقةً لشخصَين. أيُّ غرفة ستُخصِّصها لي؟ تعجبني هذه، لأنها مجاورة لغرفة مكتبك.
وفي الساعة الثانية غيَّرت ملابسها في الغرفة المجاورة للمكتب، والتي أصبحَت تُسميها غرفتها، ورحلَت مع أرلوف لتناول الإفطار. وتغدَّيَا أيضًا في المطعم، وفي الفترة الطويلة الواقعة بين الإفطار والغداء طافَا بالمتاجر. وظلِلْتُ حتى ساعة متأخرة من المساء أفتح الباب لوكلاء وسُعاة المحلات وأتسلَّم منهم شتَّى المشتريات. وكان من بين ما أتَوا به تسريحة رائعة، وطاولة تواليت، وسرير، وطقم شاي فاخر لم نكُن بحاجة إليه. وأتَوا بعائلة كاملة من قُدور الطبخ النحاسية، وضعناها صفًّا على رفٍّ في مطبخنا الخاوي البارد. وعندما كنا نفضُّ لفَّة طاقم الشاي اتقدَت عينَا بوليا، ونظرَت نحوي عدة مرات بحقد وخوف من أن أكون أنا، لا هي، ربما البادئ بسرقة قدح من هذه الأقداح الرشيقة. وجاءوا بطاولة مكتب حريمي، غالية جدًّا، ولكنها غير مريحة. يبدو أن زينائيدا فيودوروفنا كانت عازمةً على الاستقرار هنا بصورة راسخة، كربَّة بيت.
وعادت مع أرلوف في حوالي العاشرة. ولمَّا كانت مُشبَعةً بإدراك فخور بأنها أقدمَت على شيء جريء وغير عادي، عاشقةً بهيام، وكما خُيِّل إليها، معشوقةً بهيام، ساهمة، مُمنيةً نفسها بنومٍ عميقٍ سعيد، فقد سكرَت زينائيدا فيودوروفنا بنشوة الحياة الجديدة. كانت من فرط السعادة تفرك يديها بقوة، مؤكِّدةً أن كل شيء رائع، وتُقسِم إنها ستحبُّ إلى الأبد، وهذه الأيمان وتلك الثقة الساذجة، الطفولية تقريبًا، بأنها هي أيضًا محبوبة بقوة وستظلُّ محبوبة إلى الأبد، جعلَتها تبدو أصغر بخمس سنوات، وراحت تتفوَّه بهُراءٍ جميلٍ وتضحك من نفسها.
وقالت وهي تجبر نفسها على أن تقول شيئًا ما جادًّا وذا أهمية: ليس هناك نعمةٌ أسمى من الحرية! انظر إلى هذه السخافة. إننا لا نُقدِّر أبدًا رأينا الخاص، حتى ولو كان سديدًا، بينما نرتعش وجلًا أمام رأي شتَّى الحمقى. كنتُ أخشى آراء الآخرين حتى آخر لحظة، ولكنْ ما إن اتبعتُ رأيي أنا، وقرَّرتُ أن أعيش كما أرى، حتى تفتَّحَت عيناي، وتغلَّبتُ على خوفي الأحمق، وأصبحتُ الآن سعيدةً وأتمنى للجميع مثل هذه السعادة.
ولكن سرعان ما ينقطع حبل أفكارها، فتعود للحديث عن الشقة الجديدة، وعن أوراق الحيطان، والخيول، وعن رحلة إلى سويسرا وإيطاليا. أمَّا أرلوف فكان مرهقًا من الذهاب إلى المطاعم والمتاجر، وظلَّ يعاني من ذلك الخجل الذاتي الذي لاحظَته عليه في الصباح. كان يبتسم ولكنْ بدافع الأدب أكثر منه بدافع السرور، وعندما تتحدث عن شيءٍ ما جِدِّيٍّ كان يؤمِّن بسخرية: «أوه، نعم!»
وقالت تخاطبني: يا ستيبان، ابحث بسرعة عن طباخ جيد.
فقال أرلوف وهو يرمقني بنظرة باردة: لا داعي للاستعجال بالمطبخ، ينبغي أن ننتقل أولًا إلى الشقة الجديدة.
لم يكُن يحتفظ لديه أبدًا بمطبخ أو خيول، فقد كان على حدِّ قوله «لا يحبُّ اقتناء الأقذار لديه»، ولم يكُن يطيق بقاءنا أنا وبوليا في شقته إلا لحاجته إلينا. فما يُسمَّى بالعُشِّ العائلي، بأفراحه وأتراحه العادية، كان يُهين ذوقه بابتذاله. وأن تكون المرأة حبلى أو يكون لديها أولاد وتتحدث عنهم، لهو قِلَّة ذوق وسوقية. ومن ثَم فقد كان في غاية الطرافة بالنسبة لي أن أتصوَّر كيف سيتعايش في شقة واحدة هذان المخلوقان؛ هي السيدة المنزلية، ربَّة الدار، بقدورها النحاسية وأحلامها بطباخ جيد وبالخيول … وهو الذي كثيرًا ما كان يقول لأصحابه إنه في شقة الرجل القويم النظيف، كما في السفينة الحربية، لا ينبغي أن يكون هناك شيءٌ زائد … لا نساء، لا *****، لا خِرَق، لا أواني مطبخ …
٥
والآن سأروي لكم ما حدث في أقرب خميس. في هذا اليوم تغدَّى أرلوف وزينائيدا فيودوروفنا في مطعم «كونتان» أو «دونون»، وعاد أرلوف إلى البيت وحده، أمَّا هي فرحلَت، كما علمتُ فيما بعد، إلى مُربِّيتها العجوز في ضاحية بطرسبرج، لكي تبقى عندها إلى أن ينصرف الضيوف من عندنا. لم يُرِد أرلوف أن يُقدِّمها لأصحابه، وقد أدركتُ أنا ذلك في الصباح، أثناء تناولهما القهوة، عندما أخذ يؤكد لها أنه من أجل راحتها ينبغي إلغاءُ حفلات الخميس.
جاء الضيوف كالعادة في وقت واحد تقريبًا.
وسألني كوكوشكين همسًا: السيدة في البيت؟
فأجبته: كلَّا يا سيدي.
فدلف بعينَين ماكرتَين مداهنتَين وهو يبتسم في غموض ويفرك راحتيه من البرد.
وقال لأرلوف وبدنه كله يرتعش من الضحك المُرائي المتزلِّف: يشرفني أن أهنئكم، وأتمنَّى لكما النماء والتكاثر كأرز لبنان.
وذهب الضيوف إلى غرفة النوم، وتندَّروا هناك على الحذاء الحريمي والبساط المفروش بين السريرين والبلوزة الرمادية المُدلَّاة على مسند السرير. كانوا مسرورين لأن هذا العنيد الذي كان يحتقر في الحبِّ كل ما هو عادي، قد سقط فجأةً في شِباك امرأة بهذه البساطة والعاديَّة.
ما كنا نسخر منه، أصبحنا نسجد له. ردَّد كوكوشكين الذي كان لديه بالمناسبة مَيل مُنفر إلى التباهي بترديد العبارات السلافية الكنسية. ثم أضاف هامسًا وهو يرفع إصبعه إلى فمه، عندما انتقلوا من غرفة النوم إلى الغرفة المجاورة للمكتب: هس! هنا تحلم مرجريتا بفتاها فاوست.
وأُغرِق في الضحك، كأنما قال شيئًا مُضحكًا للغاية. وتفرَّستُ في وجه جروزين، مُتوقِّعًا ألَّا تطيق روحُه الموسيقية هذا الضحك، ولكني أخطأت. كان وجهه الطيب النحيل يتهلَّل بالمتعة. وعندما جلسوا ليلعبوا الورق، أخذ يقول، وهو يلثغ ويختنق بالضحك، إنه لم يبقَ لجورج، لكي تكتمل سعادتُه العائلية، إلا أن يقتنيَ غليونًا من خشب الكرز وجيتارًا. وضحك بيكارسكي برصانة، بَيْدَ أنه كان واضحًا، من نظرته المستغرقة، أن قصة غرام أرلوف الجديدة تثير نفوره. لم يكُن يفهم كُنه ما حدث.
وبعد أن لعبوا ثلاث دوراتٍ سأل مُستغرِبًا: ولكنْ ماذا عن زوجها؟
فأجاب أرلوف: لا أعرف.
فمشَّط بيكارسكي لحيته الكبيرة بأصابعه واستغرق في التفكير، ولزم الصمت حتى العشاء. وعندما جلسوا إلى المائدة قال ببطء، ماطًّا كل كلمة: عفوًا، ولكني عمومًا لا أفهمكما. كان بوسعكما أن تُحبَّا بعضكما بعضًا وتخالفَا الوصية السابعة كما يحلو لكما … هذا مفهوم. نعم هذا مفهوم لي، ولكنْ ما الداعي لإطلاع الزوج على أسراركما؟ هل هذا ضروري؟
– أليس الأمر سواءً؟
– إم … واستغرق بيكارسكي في التفكير. إذَن فلتسمع ما سأقوله لكَ يا صديقي العزيز (استطرد بتوتر واضح في التفكير) لو أنني في وقتٍ ما تزوجتُ مرةً ثانية، وتراءى لكَ أن تُركِّب لي قرنَين، فلتفعل ذلك بحيث لا ألحظ أنا، فمن الأشرف بكثير أن تخدع الرجل على أن تُفسد عليه نظام حياته وسُمعته. أنا أفهمكما. إنكما تظنَّان أنكما بالعيش هكذا علانيةً تتصرفان بأمانة وليبرالية غير عادية، ولكني لا أستطيع أن أوافق على هذه اﻟ… ما اسمها؟ على هذه الرومانسية.
لم يرُد أرلوف بشيء، كان مُعتلَّ المزاج، فلم يشأ أن يتكلم. أمَّا بيكارسكي فمضى في استغرابه، ونقر على الطاولة بأصابعه، وفكر ثم قال: إنني مع ذلك لا أفهمكما، فلستَ أنتَ طالبًا، وليست هي خياطة، كلاكما من أصحاب الموارد. أعتقد أنه كان بإمكانك أن تستأجر لها شقةً منفردة.
– كلَّا، ليس بإمكاني ذلك. فلتقرأ تورجينيف.
– وما الداعي لقراءته؟ لقد قرأتُه.
– تورجينيف يُعلمنا في مؤلَّفاته أنه على كل فتاة سامية، شريفة التفكير، أن تمضيَ مع رجلها الحبيب إلى آخر الدنيا وتخدم فكرته (قال أرلوف زارًّا عينيه بسخرية) إن «آخر الدنيا» هي فالدنيا كلها، بجميع أواخرها، تتركز في شقة الرجل الحبيب. ولذلك فألَّا تعيش مع المرأة التي تُحبُّك في شقة واحدة، يعني أنك تحرمها من أسمى غاياتها ولا تشاطرها مُثُلها العُليا. نعم يا عزيزي، تورجينيف كتب، وها أنا ذا أتجرَّع الكأس بدلًا منه.
– ما دخلُ تورجينيف هنا؟ لستُ أفهم (قال جروزين بصوت خافت وهزَّ كتفَيه) أتذكَّر يا جورج كيف كان في «ثلاثة لقاءات» يسير في مكانٍ ما بإيطاليا في ساعة متأخرة. وفجأة سمع: Vieni pensando a me segretamente
(غنَّى جروزين: جميل.)
فقال بيكارسكي: ولكنها لم تنتقل إليك عنوة، أنتَ أردتَ ذلك.
– كيف تقول؟! ما أردتُ ذلك أبدًا، بل حتى لم يدُر بذهني أن هذا سيحدث قط. عندما كانت تقول إنها ستنتقل إليَّ كنتُ أظنُّ أنها تمزح بلطف.
فضحكوا جميعًا.
ومضى أرلوف يقول بنبرة توحي وكأنما اضطروه إلى التبرير: لم يكُن من الممكن أن أريد ذلك. أنا لستُ بطلًا من أبطال تورجينيف، وإذا ما تطلَّعتُ في وقتٍ ما إلى تحرير بلغاريا فلن أحتاج إلى صُحبة نسائية.
إنني أنظر إلى الحبِّ قبل كل شيء باعتباره حاجةً جسدية، مُنحطةً ومُعاديةً لروحي. وينبغي إشباعُها بحكمةٍ أو التخلِّي عنها تمامًا، وإلا فإنها ستُدخل إلى حياتك عناصرَ ملوثةً مثلها هي، ولكنْ تصبح متعةً لا عذابًا، أحاول أن أجعلها جميلةً وأحيطها بكمية من الأوهام، فأنا لن أذهب إلى امرأة ما لم أكُن واثقًا مسبقًا من أنها جميلة وجذابة، كذلك لن أذهب إليها ما لم أكُن أنا نفسي في أفضل حالاتي. وفي ظلِّ هذه الظروف فقط نستطيع أن نخدع بعضنا بعضًا، فيُخيَّل إلينا أننا نحبُّ وأننا سعداء. ولكنْ هل يمكن أن أريد قدورًا نحاسيةً وشَعرًا غير مُمشَّط، أو أن يراني أحدٌ قبل أن أغتسل، ومُعتلَّ المزاج؟ إن زينائيدا فيدوروفنا تريد بقلبها البسيط أن تجعلني أحبُّ ما كنتُ أتحاشاه طوال حياتي، إنها تريد أن تفوح في شقتي رائحة المطبخ وغسيل الأواني، وهي بحاجة إلى الانتقال إلى شقة جديدة في صخب، وإلى التنقل على جيادها الخاصة، بحاجة إلى أن تحصي غياراتي وتهتمَّ بصحتي. إنها بحاجة إلى التدخل كل دقيقة في حياتي الخاصة، ومراقبة كل خطوة من خطواتي، وفي الوقت نفسه تؤكد بإخلاص أن عاداتي وحريتي ستظلُّ ملكي. وهي على يقين من أننا، كعروسين، سنقوم في أقرب وقت برحلة شهر العسل؛ أيْ إنها تريد أن تبقى إلى جواري بلا فكاك في مقصورات القطارات وفي الفنادق، بينما أحبُّ أثناء السفر أن أقرأ، ولا أطيق الحديث.
فقال بيكارسكي: إذَن نبِّهها إلى ذلك.
– كيف؟ أتظنُّ أنها ستفهمني؟ رُحماك، إننا نفكر بطريقة جد مختلفة! فمن وجهة نظرها أن الرحيل عن ماما أو بابا أو عن الزوج إلى الرجل الحبيب هو قمة الشجاعة الأدبية، أمَّا أنا فلا أرى فيه إلا عملًا صبيانيًّا. في رأيها أن الحبَّ والاتصال بالحبيب يعني بداية حياة جديدة، أمَّا أنا فأرى أن ذلك لا يعني شيئًا. الحبُّ والرجل يُشكِّلان جوهر حياتها الحقيقي، وربما من هذه الزاوية تُحركها فلسفة اللاوعي. فلتحاول إذَن أن تُقنعها بأن الحبَّ هو مجرَّد حاجة، كالطعام والملبس، وأن العالم لن يفنى أبدًا، لأن الأزواج والزوجات سيئون، وأنه من الممكن أن تكون فاسقًا ومُفسدًا وفي الوقت نفسه عبقريًّا ونبيلًا، ومن وجهة أخرى يمكن أن تتخلَّى عن مُتع الحبِّ وتكون في الوقت نفسه حيوانًا غبيًّا وشريرًا. إن الإنسان المثقف المعاصر، حتى الذي يقف في أسفل السُّلَّم، كالعامل الفرنسي مثلًا، ينفق على غدائه في اليوم عشرة «سو»، وعلى نبيذ الغداء خمسة «سو»، وعلى المرأة من خمسة إلى عشرة «سو»، بينما يعطي العمل كل عقله وأعصابه. أمَّا زينائيدا فيودوروفنا فلا تعطي الحبَّ بضعة «سو»، بل كل روحها. سأنبِّهها على الأرجح، ولكنها في المقابل ستُصرِّح بإخلاص بأنني قضيتُ عليها وأنه لم يعد لديها أيُّ شيء في الحياة.
فقال بيكارسكي: لا تقُل لها شيئًا. فقط استأجر لها شقةً منفردةً وكفَى.
– سهلٌ أن تقول هذا …
وصمتوا قليلًا.
وقال كوكوشكين: ولكنها لطيفة. إنها رائعة. مثيلاتها يتصوَّرن أنهنَّ سيُحببن إلى الأبد، ويستسلمن بحماسة.
فقال أرلوف: ولكن ينبغي أن يكون لديهم عقل، ينبغي أن يفكرن. إن جميع الخبرات المعروفة لنا من الحياة اليومية والمُدوَّنة على صفحات الروايات والدرامات العديدة تؤكد بالإجماع أن شتَّى أنواع الغرام والمعاشرة عند الأشخاص القويمين، ومهما كان الحبُّ في بدايتها، لا تستمر أكثر من عامين، وإن طالت فلا أكثر من ثلاثة. عليها أن تعرف هذا؛ ولذلك فإن كل هذه التنقلات، والقدور، والأحلام بالحبِّ والوفاق الخالدين، لا تعدو أن تكون رغبةً في استغفال نفسها واستغفالي. إنها لطيفة ورائعة … مَن ذا يعارض؟ ولكنها قلَبَت عربة حياتي. كل ما كنت أعتبره حتى الآن تافهًا وسخيفًا تريد هي مني أن أجعله في مستوى القضايا المُهمَّة. إنني أعبد صنمًا لم أعتبره أبدًا إلهًا. إنها لطيفة ورائعة، فلماذا إذَن أصبحتُ أشعر بالانقباض وأنا عائد من الخدمة إلى البيت، كأنما أتوقَّع أن أرى في بيتي شيئًا مُنغصًا، من نوع بُناة المدافئ، الذين نقضوا كل المدافئ وكوَّموا جبالًا من الطوب. وباختصار فلم أعد أدفع مقابل الحبِّ «سو»، بل جزءًا من راحتي وأعصابي، وهذا شيء سيئ.
فتنهَّد كوكوشكين قائلًا: إنها لا تسمع ما يقوله هذا الشرير!
ثم قال بنبرة مسرحية: سيدي المحترم، إنني أعفيك من الواجب الثقيل بحُبِّ هذا المخلوق الرائع! سوف أنتزع منك زينائيدا فيودوروفنا!
فقال أرلوف بلا مبالاة: تفضَّل.
وظل كوكوشيكين نصف دقيقة يضحك بصوت رفيع وبدنه كله يهتز، ثم قال: انتبه، إنني لا أمزح، أرجو ألَّا تتقمَّص فيما بعدُ دَور عطيل!
وشرع الجميع يتحدثون عن دأب كوكوشكين الذي لا يكلُّ في شئون الغرام، وأنه صاعق بالنسبة للنساء وخطير على الأزواج، وكيف ستشويه الشياطين على النار في العالم الآخر جزاءً على حياته الماجنة. أمَّا هو فلزم الصمت وهو يزرُّ عينيه، وعندما كانوا يذكرون أسماء نساء معروفات كان يُهدِّد بسبَّابته، كأنما يُحذِّر من إفشاء أسرار الآخرين. وفجأةً نظر أرلوف إلى الساعة.
فهم الضيوف وبدءوا يستعدُّون للانصراف. وأذكر أن جروزين، وقد انتشى من الخمر، ظلَّ يرتدي ملابسه هذه المرة طويلًا؛ ارتدى معطفه الذي يشبه تلك القبوطات التي يرتديها الأطفال في الأُسر غير المُوسرة، ورفع ياقته، وأخذ يروي قصةً طويلةً عن شيءٍ ما. وعندما رأى أن أحدًا لا ينصت إليه وضع على كتفه حِرامه الذي فاحت منه رائحة فراش الأطفال، وطلب مني بوجه ضارع مُذنب أن أجد له قُبَّعته.
وقال بصوت رقيق: جورج يا ملاكي! أصغِ إليَّ يا عزيزي، ولنذهب الآن إلى خارج المدينة!
– اذهب، أمَّا أنا فلا أستطيع، أنا الآن في وضع الأزواج.
– إنها رائعة ولن تغضب. يا رئيسي الطيِّب فلنرحل! الطقس رائع، عاصف وقارس … أقسم بشرفي إنك بحاجة إلى تغيير الجو، فمزاجك مُعتل، الشيطان يعرف لماذا …
تمطَّى أرلوف وتثاءب، ثم نظر إلى بيكارسكي، وسأله مُفكرًا: هل ستذهب؟
– لا أعرف. أظن.
– أم ربما أسكر، هه؟ وقرَّر أرلوف بعد تردُّد قصير: حسنًا، سأذهب. انتظروا، سأحضر نقودًا.
وذهب إلى غرفة المكتب فتبعه جروزين مُتعثرًا يُجرجر حِرامه خلفه. وبعد دقيقة عادَا معًا إلى المدخل. كان جروزين الثمل والمسرور جدًّا يُجعِّد في قبضته ورقةً من فئة العشرة روبلات.
ومضى يقول: غدًا سأردُّها. أمَّا هي فطيبة، لن تغضب، هي التي عمَّدَت ابنتي ليزا، إنني أحبُّها، هذه المسكينة (وفجأةً ضحك بفرح وألصق جبينه بظهر بيكارسكي): آه أيها الرجل الحبيب، بيكارسكي يا روح قلبي! محامٍ حتى النخاع، أعجف الفؤاد، ومع ذلك تراه يحبُّ النساء.
– أضف: السمينات (قال أرلوف وهو يرتدي معطف الفراء) ولكنْ هيَّا بنا نرحل، وإلا فقد نلقاها على العتبة.
فغنَّى جروزين:
Vieni pensando a me segretamente.
وأخيرًا رحلوا. ولم يَبِت أرلوف ليلته في المنزل، وعاد في اليوم التالي قُرب الظُّهر.
جاء الضيوف كالعادة في وقت واحد تقريبًا.
وسألني كوكوشكين همسًا: السيدة في البيت؟
فأجبته: كلَّا يا سيدي.
فدلف بعينَين ماكرتَين مداهنتَين وهو يبتسم في غموض ويفرك راحتيه من البرد.
وقال لأرلوف وبدنه كله يرتعش من الضحك المُرائي المتزلِّف: يشرفني أن أهنئكم، وأتمنَّى لكما النماء والتكاثر كأرز لبنان.
وذهب الضيوف إلى غرفة النوم، وتندَّروا هناك على الحذاء الحريمي والبساط المفروش بين السريرين والبلوزة الرمادية المُدلَّاة على مسند السرير. كانوا مسرورين لأن هذا العنيد الذي كان يحتقر في الحبِّ كل ما هو عادي، قد سقط فجأةً في شِباك امرأة بهذه البساطة والعاديَّة.
ما كنا نسخر منه، أصبحنا نسجد له. ردَّد كوكوشكين الذي كان لديه بالمناسبة مَيل مُنفر إلى التباهي بترديد العبارات السلافية الكنسية. ثم أضاف هامسًا وهو يرفع إصبعه إلى فمه، عندما انتقلوا من غرفة النوم إلى الغرفة المجاورة للمكتب: هس! هنا تحلم مرجريتا بفتاها فاوست.
وأُغرِق في الضحك، كأنما قال شيئًا مُضحكًا للغاية. وتفرَّستُ في وجه جروزين، مُتوقِّعًا ألَّا تطيق روحُه الموسيقية هذا الضحك، ولكني أخطأت. كان وجهه الطيب النحيل يتهلَّل بالمتعة. وعندما جلسوا ليلعبوا الورق، أخذ يقول، وهو يلثغ ويختنق بالضحك، إنه لم يبقَ لجورج، لكي تكتمل سعادتُه العائلية، إلا أن يقتنيَ غليونًا من خشب الكرز وجيتارًا. وضحك بيكارسكي برصانة، بَيْدَ أنه كان واضحًا، من نظرته المستغرقة، أن قصة غرام أرلوف الجديدة تثير نفوره. لم يكُن يفهم كُنه ما حدث.
وبعد أن لعبوا ثلاث دوراتٍ سأل مُستغرِبًا: ولكنْ ماذا عن زوجها؟
فأجاب أرلوف: لا أعرف.
فمشَّط بيكارسكي لحيته الكبيرة بأصابعه واستغرق في التفكير، ولزم الصمت حتى العشاء. وعندما جلسوا إلى المائدة قال ببطء، ماطًّا كل كلمة: عفوًا، ولكني عمومًا لا أفهمكما. كان بوسعكما أن تُحبَّا بعضكما بعضًا وتخالفَا الوصية السابعة كما يحلو لكما … هذا مفهوم. نعم هذا مفهوم لي، ولكنْ ما الداعي لإطلاع الزوج على أسراركما؟ هل هذا ضروري؟
– أليس الأمر سواءً؟
– إم … واستغرق بيكارسكي في التفكير. إذَن فلتسمع ما سأقوله لكَ يا صديقي العزيز (استطرد بتوتر واضح في التفكير) لو أنني في وقتٍ ما تزوجتُ مرةً ثانية، وتراءى لكَ أن تُركِّب لي قرنَين، فلتفعل ذلك بحيث لا ألحظ أنا، فمن الأشرف بكثير أن تخدع الرجل على أن تُفسد عليه نظام حياته وسُمعته. أنا أفهمكما. إنكما تظنَّان أنكما بالعيش هكذا علانيةً تتصرفان بأمانة وليبرالية غير عادية، ولكني لا أستطيع أن أوافق على هذه اﻟ… ما اسمها؟ على هذه الرومانسية.
لم يرُد أرلوف بشيء، كان مُعتلَّ المزاج، فلم يشأ أن يتكلم. أمَّا بيكارسكي فمضى في استغرابه، ونقر على الطاولة بأصابعه، وفكر ثم قال: إنني مع ذلك لا أفهمكما، فلستَ أنتَ طالبًا، وليست هي خياطة، كلاكما من أصحاب الموارد. أعتقد أنه كان بإمكانك أن تستأجر لها شقةً منفردة.
– كلَّا، ليس بإمكاني ذلك. فلتقرأ تورجينيف.
– وما الداعي لقراءته؟ لقد قرأتُه.
– تورجينيف يُعلمنا في مؤلَّفاته أنه على كل فتاة سامية، شريفة التفكير، أن تمضيَ مع رجلها الحبيب إلى آخر الدنيا وتخدم فكرته (قال أرلوف زارًّا عينيه بسخرية) إن «آخر الدنيا» هي فالدنيا كلها، بجميع أواخرها، تتركز في شقة الرجل الحبيب. ولذلك فألَّا تعيش مع المرأة التي تُحبُّك في شقة واحدة، يعني أنك تحرمها من أسمى غاياتها ولا تشاطرها مُثُلها العُليا. نعم يا عزيزي، تورجينيف كتب، وها أنا ذا أتجرَّع الكأس بدلًا منه.
– ما دخلُ تورجينيف هنا؟ لستُ أفهم (قال جروزين بصوت خافت وهزَّ كتفَيه) أتذكَّر يا جورج كيف كان في «ثلاثة لقاءات» يسير في مكانٍ ما بإيطاليا في ساعة متأخرة. وفجأة سمع: Vieni pensando a me segretamente
(غنَّى جروزين: جميل.)
فقال بيكارسكي: ولكنها لم تنتقل إليك عنوة، أنتَ أردتَ ذلك.
– كيف تقول؟! ما أردتُ ذلك أبدًا، بل حتى لم يدُر بذهني أن هذا سيحدث قط. عندما كانت تقول إنها ستنتقل إليَّ كنتُ أظنُّ أنها تمزح بلطف.
فضحكوا جميعًا.
ومضى أرلوف يقول بنبرة توحي وكأنما اضطروه إلى التبرير: لم يكُن من الممكن أن أريد ذلك. أنا لستُ بطلًا من أبطال تورجينيف، وإذا ما تطلَّعتُ في وقتٍ ما إلى تحرير بلغاريا فلن أحتاج إلى صُحبة نسائية.
إنني أنظر إلى الحبِّ قبل كل شيء باعتباره حاجةً جسدية، مُنحطةً ومُعاديةً لروحي. وينبغي إشباعُها بحكمةٍ أو التخلِّي عنها تمامًا، وإلا فإنها ستُدخل إلى حياتك عناصرَ ملوثةً مثلها هي، ولكنْ تصبح متعةً لا عذابًا، أحاول أن أجعلها جميلةً وأحيطها بكمية من الأوهام، فأنا لن أذهب إلى امرأة ما لم أكُن واثقًا مسبقًا من أنها جميلة وجذابة، كذلك لن أذهب إليها ما لم أكُن أنا نفسي في أفضل حالاتي. وفي ظلِّ هذه الظروف فقط نستطيع أن نخدع بعضنا بعضًا، فيُخيَّل إلينا أننا نحبُّ وأننا سعداء. ولكنْ هل يمكن أن أريد قدورًا نحاسيةً وشَعرًا غير مُمشَّط، أو أن يراني أحدٌ قبل أن أغتسل، ومُعتلَّ المزاج؟ إن زينائيدا فيدوروفنا تريد بقلبها البسيط أن تجعلني أحبُّ ما كنتُ أتحاشاه طوال حياتي، إنها تريد أن تفوح في شقتي رائحة المطبخ وغسيل الأواني، وهي بحاجة إلى الانتقال إلى شقة جديدة في صخب، وإلى التنقل على جيادها الخاصة، بحاجة إلى أن تحصي غياراتي وتهتمَّ بصحتي. إنها بحاجة إلى التدخل كل دقيقة في حياتي الخاصة، ومراقبة كل خطوة من خطواتي، وفي الوقت نفسه تؤكد بإخلاص أن عاداتي وحريتي ستظلُّ ملكي. وهي على يقين من أننا، كعروسين، سنقوم في أقرب وقت برحلة شهر العسل؛ أيْ إنها تريد أن تبقى إلى جواري بلا فكاك في مقصورات القطارات وفي الفنادق، بينما أحبُّ أثناء السفر أن أقرأ، ولا أطيق الحديث.
فقال بيكارسكي: إذَن نبِّهها إلى ذلك.
– كيف؟ أتظنُّ أنها ستفهمني؟ رُحماك، إننا نفكر بطريقة جد مختلفة! فمن وجهة نظرها أن الرحيل عن ماما أو بابا أو عن الزوج إلى الرجل الحبيب هو قمة الشجاعة الأدبية، أمَّا أنا فلا أرى فيه إلا عملًا صبيانيًّا. في رأيها أن الحبَّ والاتصال بالحبيب يعني بداية حياة جديدة، أمَّا أنا فأرى أن ذلك لا يعني شيئًا. الحبُّ والرجل يُشكِّلان جوهر حياتها الحقيقي، وربما من هذه الزاوية تُحركها فلسفة اللاوعي. فلتحاول إذَن أن تُقنعها بأن الحبَّ هو مجرَّد حاجة، كالطعام والملبس، وأن العالم لن يفنى أبدًا، لأن الأزواج والزوجات سيئون، وأنه من الممكن أن تكون فاسقًا ومُفسدًا وفي الوقت نفسه عبقريًّا ونبيلًا، ومن وجهة أخرى يمكن أن تتخلَّى عن مُتع الحبِّ وتكون في الوقت نفسه حيوانًا غبيًّا وشريرًا. إن الإنسان المثقف المعاصر، حتى الذي يقف في أسفل السُّلَّم، كالعامل الفرنسي مثلًا، ينفق على غدائه في اليوم عشرة «سو»، وعلى نبيذ الغداء خمسة «سو»، وعلى المرأة من خمسة إلى عشرة «سو»، بينما يعطي العمل كل عقله وأعصابه. أمَّا زينائيدا فيودوروفنا فلا تعطي الحبَّ بضعة «سو»، بل كل روحها. سأنبِّهها على الأرجح، ولكنها في المقابل ستُصرِّح بإخلاص بأنني قضيتُ عليها وأنه لم يعد لديها أيُّ شيء في الحياة.
فقال بيكارسكي: لا تقُل لها شيئًا. فقط استأجر لها شقةً منفردةً وكفَى.
– سهلٌ أن تقول هذا …
وصمتوا قليلًا.
وقال كوكوشكين: ولكنها لطيفة. إنها رائعة. مثيلاتها يتصوَّرن أنهنَّ سيُحببن إلى الأبد، ويستسلمن بحماسة.
فقال أرلوف: ولكن ينبغي أن يكون لديهم عقل، ينبغي أن يفكرن. إن جميع الخبرات المعروفة لنا من الحياة اليومية والمُدوَّنة على صفحات الروايات والدرامات العديدة تؤكد بالإجماع أن شتَّى أنواع الغرام والمعاشرة عند الأشخاص القويمين، ومهما كان الحبُّ في بدايتها، لا تستمر أكثر من عامين، وإن طالت فلا أكثر من ثلاثة. عليها أن تعرف هذا؛ ولذلك فإن كل هذه التنقلات، والقدور، والأحلام بالحبِّ والوفاق الخالدين، لا تعدو أن تكون رغبةً في استغفال نفسها واستغفالي. إنها لطيفة ورائعة … مَن ذا يعارض؟ ولكنها قلَبَت عربة حياتي. كل ما كنت أعتبره حتى الآن تافهًا وسخيفًا تريد هي مني أن أجعله في مستوى القضايا المُهمَّة. إنني أعبد صنمًا لم أعتبره أبدًا إلهًا. إنها لطيفة ورائعة، فلماذا إذَن أصبحتُ أشعر بالانقباض وأنا عائد من الخدمة إلى البيت، كأنما أتوقَّع أن أرى في بيتي شيئًا مُنغصًا، من نوع بُناة المدافئ، الذين نقضوا كل المدافئ وكوَّموا جبالًا من الطوب. وباختصار فلم أعد أدفع مقابل الحبِّ «سو»، بل جزءًا من راحتي وأعصابي، وهذا شيء سيئ.
فتنهَّد كوكوشكين قائلًا: إنها لا تسمع ما يقوله هذا الشرير!
ثم قال بنبرة مسرحية: سيدي المحترم، إنني أعفيك من الواجب الثقيل بحُبِّ هذا المخلوق الرائع! سوف أنتزع منك زينائيدا فيودوروفنا!
فقال أرلوف بلا مبالاة: تفضَّل.
وظل كوكوشيكين نصف دقيقة يضحك بصوت رفيع وبدنه كله يهتز، ثم قال: انتبه، إنني لا أمزح، أرجو ألَّا تتقمَّص فيما بعدُ دَور عطيل!
وشرع الجميع يتحدثون عن دأب كوكوشكين الذي لا يكلُّ في شئون الغرام، وأنه صاعق بالنسبة للنساء وخطير على الأزواج، وكيف ستشويه الشياطين على النار في العالم الآخر جزاءً على حياته الماجنة. أمَّا هو فلزم الصمت وهو يزرُّ عينيه، وعندما كانوا يذكرون أسماء نساء معروفات كان يُهدِّد بسبَّابته، كأنما يُحذِّر من إفشاء أسرار الآخرين. وفجأةً نظر أرلوف إلى الساعة.
فهم الضيوف وبدءوا يستعدُّون للانصراف. وأذكر أن جروزين، وقد انتشى من الخمر، ظلَّ يرتدي ملابسه هذه المرة طويلًا؛ ارتدى معطفه الذي يشبه تلك القبوطات التي يرتديها الأطفال في الأُسر غير المُوسرة، ورفع ياقته، وأخذ يروي قصةً طويلةً عن شيءٍ ما. وعندما رأى أن أحدًا لا ينصت إليه وضع على كتفه حِرامه الذي فاحت منه رائحة فراش الأطفال، وطلب مني بوجه ضارع مُذنب أن أجد له قُبَّعته.
وقال بصوت رقيق: جورج يا ملاكي! أصغِ إليَّ يا عزيزي، ولنذهب الآن إلى خارج المدينة!
– اذهب، أمَّا أنا فلا أستطيع، أنا الآن في وضع الأزواج.
– إنها رائعة ولن تغضب. يا رئيسي الطيِّب فلنرحل! الطقس رائع، عاصف وقارس … أقسم بشرفي إنك بحاجة إلى تغيير الجو، فمزاجك مُعتل، الشيطان يعرف لماذا …
تمطَّى أرلوف وتثاءب، ثم نظر إلى بيكارسكي، وسأله مُفكرًا: هل ستذهب؟
– لا أعرف. أظن.
– أم ربما أسكر، هه؟ وقرَّر أرلوف بعد تردُّد قصير: حسنًا، سأذهب. انتظروا، سأحضر نقودًا.
وذهب إلى غرفة المكتب فتبعه جروزين مُتعثرًا يُجرجر حِرامه خلفه. وبعد دقيقة عادَا معًا إلى المدخل. كان جروزين الثمل والمسرور جدًّا يُجعِّد في قبضته ورقةً من فئة العشرة روبلات.
ومضى يقول: غدًا سأردُّها. أمَّا هي فطيبة، لن تغضب، هي التي عمَّدَت ابنتي ليزا، إنني أحبُّها، هذه المسكينة (وفجأةً ضحك بفرح وألصق جبينه بظهر بيكارسكي): آه أيها الرجل الحبيب، بيكارسكي يا روح قلبي! محامٍ حتى النخاع، أعجف الفؤاد، ومع ذلك تراه يحبُّ النساء.
– أضف: السمينات (قال أرلوف وهو يرتدي معطف الفراء) ولكنْ هيَّا بنا نرحل، وإلا فقد نلقاها على العتبة.
فغنَّى جروزين:
Vieni pensando a me segretamente.
وأخيرًا رحلوا. ولم يَبِت أرلوف ليلته في المنزل، وعاد في اليوم التالي قُرب الظُّهر.
٦
ضاعت ساعة زينائيدا فيودوروفنا الذهبية التي أهداها لها والدُها في زمنٍ ما، وقد أدهشها وأخافها هذا الضياع. ظلَّت نصف النهار تطوف بالغرف وهي تتفحَّص الطاولات والنوافذ بنظرات مرتبكة، ولكن كأنما كانت الساعة قِطعَة ملح ذابت.
وبعد ذلك بزمن قصير، حوالي ثلاثة أيام، عادت زينائيدا فيودوروفنا من مكانٍ ما، فنسيَت في المدخل حافظة نقودها. ولحسن حظي لم أكُن أنا الذي ساعدتُها هذه المرة على خلع معطفها، بل بوليا. وعندما تذكرَت المحفظة لم تجدها في المدخل.
قالت زينائيدا فيودوروفنا مستغربة: غريبة! إنني أذكر جيدًا أنني أخرجتُها من جيبي لكي أنقد الحوذي، ثم وضعتُها هنا بجوار المرآة. عجيبة!
لم أكُن سارقًا، ولكنْ تملَّكني إحساسٌ كأنما كنتُ أنا السارق وضبطوني، حتى إن عينيَّ اغرورقتَا بالدموع. وعندما جلسَا للغداء قالت زينائيدا فيودوروفنا لأرلوف بالفرنسية: بيتنا سكنَته الأرواح. فقدتُ اليوم محفظتي في المدخل، وإذا بي أجدها الآن على طاولتي. ولكن الأرواح لم تُقدِّم هذه النمرة مجانًا، فقد أخذَت مقابل عملها قِطعةً ذهبيةً وعشرين روبلًا.
فقال أرلوف: تارةً تُضيِّعين ساعتك، وتارةً نقودك … فلماذا لا يحدث معي أيُّ شيء من هذا القبيل؟
وبعد لحظة لم تعد زينائيدا فيودوروفنا تذكر شيئًا عن النمرة التي دبَّرتها الأرواح، وأخذَت تروي وهي تضحك كيف أوصَت في الأسبوع الماضي على أوراق رسائل، ولكنها نسيَت أن تعطي عنوانها الجديد، فأرسل المتجر الأوراق حسب العنوان القديم إلى زوجها، الذي اضطرَّ أن يدفع اثنَي عشَرَ روبلًا لفاتورة الحساب. وفجأةً توقَّف نظرها على بوليا وثبتَت عليها عينًا فاحصة. وفي نفس اللحظة تضرَّج وجهُها وارتبكت إلى درجة أنها حوَّلت مجرى الحديث إلى موضوع آخر.
وعندما دخلتُ غرفة الكتب حاملًا القهوة، كان أرلوف واقفًا وظهره إلى المدفأة، بينما جلسَت هي في مقعد قُبالته. وقالت بالفرنسية: ليس مزاجي مُعتلًّا أبدًا، لكني أخذتُ أفطن فأدركتُ كل شيء. أستطيع أن أحدِّد لك اليوم، بل وحتى الوقت الذي سُرقت فيه الساعة. والمحفظة؟ هنا لا يمكن أن تكون أيُّ شكوك. أوه! (وضحكت وهي تتناول مني القهوة): الآن أدركتُ لماذا أفقد مناديلي وقفازاتي بهذه الكثرة، كما تشاء، ولكني سأسرِّح هذه اللصَّة وأبعث بستيبان ليُحضر وصيفتي صوفيا، فهذه ليست لِصَّة، وليس لها هذه الهيئة اﻟ … المُنفرة.
– أنتِ مُعتلَّة المزاج. غدًا يختلف مزاجك فتدركين أنه لا يصحُّ طرد شخص فقط لأنك ترتابين فيه.
فقالت زينائيدا فيووروفنا: أنا لا أرتاب بل واثقة. وعندما كنتُ أرتاب في هذا البروليتاري ذي الوجه البائس، خادمك، لم أقُل أيَّ كلمة مُهينة. من المُحزن يا جورج أنكَ لا تُصدِّقني.
فقال أرلوف: إذا كان تفكيرنا مختلفًا حول موضوع مُعيَّن، فهذا لا يعني أنني لا أصدِّقك (واستدار نحو نار المدفأة وألقى فيها سيجارته) ومع ذلك لا داعي للانفعال. وعلى العموم أصارحك بأنني لم أتوقَّع أن تُسبِّب لك مملكتي الصغيرة كل هذه الهموم الجدية والانفعالات. ضاعت قِطعَة نقود ذهبية، فليكُن، لها ****، خُذي مني ولو مائة قِطعَة، أمَّا أن نُغيِّر النظام، ونأخذ من الشارع خادمةً جديدة، وننتظر حتى تعتاد … كل هذا شيء طويل، مُمل، لا يتفق مع طباعي. صحيحٌ أن خادمتنا الحالية سمينة، وربما تعاني من مَيل خاص إلى المناديل والقفازات، ولكنها في المقابل محترمة، منضبطة، ولا تصرخ عندما يقرصها كوكوشكين.
– باختصار أنتَ لا تستطيع أن تفترق عنها … قُل بصراحة.
– هل تغارين؟
– نعم، أنا أغار! قالت زينائيدا فيودوروفنا بحزم.
– أشكرك.
– نعم، أنا أغار! (ردَّدَت ولمعَت في عينيها الدموع) كلَّا، ليست هذه غَيرة، بل شيءٌ أسوأ … لا أعرف كيف أسميه. وأمسكت بصدغيها واستطردَت باندفاع: أنتم الرجال كيف تصبحون كريهين! هذا فظيع!
– لا أرى في ذلك أيَّ فظاعة.
– أنا لم أرَ، ولا أعرف، ولكنْ يُقال إنكم، أنتم الرجال، منذ الطفولة تبدءون مع الخادمات، وبعد ذلك، ومع التعود، لا تشعرون بأيِّ تقزُّز. أنا لا أعرف، لا أعرف، ولكني قرأت … جورج، طبعًا أنت مُحق (قالت وهي تقترب من أرلوف مُغيِّرةً من نبرتها إلى نبرة رقيقة ضارعة بالفعل) أنا اليوم مُعتلَّة المزاج. لكنْ أرجوك افهمني، أنا لا أستطيع. إنها كريهة، وأنا أخافها، أشعر بالضيق من رؤيتها.
فقال أرلوف هازًّا كتفَيه باستغراب ومبتعدًا عن المدفأة: ألا يمكن أن تكوني أرفع من ذلك؟ ليس هناك شيءٌ أسهل من هذا. لا تلاحظيها ولن تكون عندئذٍ كريهة، ولن تحتاجي إلى صُنع مأساة كاملة من شيء تافه.
خرجتُ من المكتب فلم أعرف الإجابة التي تلقَّاها أرلوف. وأيًّا كان الأمر فقد ظلَّت بوليا عندنا، وبعد ذلك لم تعد زينائيدا فيودوروفنا تطلب منها شيئًا، إذ يبدو أنها حاولت أن تستغنيَ عن خدماتها. وعندما كانت بوليا تُقدِّم لها شيئًا، أو تمرُّ فقط من جوارها وهي ترن بأسورتها وتخشخش بجونلاتها، كانت زينائيدا فيودوروفنا تنتفض.
وأعتقد أنه لو طلب جروزين، أو بيكارسكي، من أرلوف أن يطرد بوليا لفعل ذلك دون أدنى تردُّد، ولمَا أرهق نفسه بأيِّ تفسيرات، فقد كان سلس القياد ككل الأشخاص اللامبالين، ولكنه في علاقاته بزينائيدا فيودوروفنا، وحتى في أتفه الأمور، كان لسببٍ ما يُبدي عنادًا يبلغ أحيانًا حدَّ الاستبداد. وهكذا أصبحتُ أعرف مُقدَّمًا أنه إذا ما أعجب شيءٌ ما زينائيدا فيودوروفنا فلن يعجبه بالتأكيد. وعندما كانت تسرع بعد عودتها من المتجر إلى التفاخر أمامه بما ابتاعه، كان يُلقي نظرةً سريعةً إلى تلك الأشياء ويقول ببرود إنه كلما ازدادت الأشياء غير الضرورية في الشقة أصبح الهواء أقل. وكان يحدث أحيانًا، بعد أن يرتدي الفراك ليذهب إلى مكانٍ ما، ويُودِّع زينائيدا فيودوروفنا، أن يبقى في المنزل فجأةً بدافع العناد. وكان يُخيَّل إليَّ آنذاك أنه لم يبقَ في المنزل إلا لكي يشعر أنه تعيس.
لماذا بقيت؟ تقول زينائيدا فيودوروفنا بحزن مصطنع وهي تتهلَّل من السعادة في الوقت نفسه. لماذا؟ لقد تعودتَ ألَّا تبقى في البيت مساءً، وأنا لا أريد أن تُغيِّر عاداتك من أجلي. اذهب أرجوك، إذا كنتَ لا تريد أن أشعر بأني مُذنبة.
فيقول أرلوف: وهل هناك مَن يُحمِّلك ذنبًا؟
ويستلقي في الفوتيل في غرفة المكتب وعليه سيماء الضحيَّة، ويتناول كتابًا، حاجبًا عينيه بيده. ولكن سرعان ما يسقط الكتاب من يده، فيتقلَّب في الفوتيل بتثاقل، ويحجب عينيه ثانيةً كأنما يتقِّي الشمس. الآن أصبح يشعر بالأسى لأنه لم يذهب.
وتقول زينائيدا فيودوروفنا وهي تدخل المكتب بتردُّد: ممكن أدخل؟ أنت تقرأ؟ أمَّا أنا فاشتقتُ إليك وجئتُ لدقيقة واحدة … لألقي نظرة.
وأذكر أنها دخلت عليه ذات مساءٍ بمثل هذا التردُّد، وبغير مناسبة استقرَّت على البساط عند قدمَي أرلوف، وكان واضحًا من حركاتها الوَجِلة الناعمة أنها لم تكُن تفهم مزاجه وتخشاه.
وبدأت تقول بصوت مُتسلِّل وهي ترغب فيما يبدو في مداهنته: ما زلتَ تقرأ؟ أتدري يا جورج ما هو السرُّ الآخر لنجاحك؟ أنك مثقفٌ جدًّا وذكي. ما هذا الكتاب الذي تقرؤه؟
وأجابها أرلوف، ومرَّت بضع دقائق في صمت، فبَدَت لي طويلةً للغاية. كنت واقفًا في غرفة الجلوس أرقبهما من هناك وأنا أخشى أن يداهمني السعال.
وقالت زينائيدا فيودوروفنا بصوت خافت ثم ضحكت: كنتُ أودُّ أن أقول لك شيئًا ما … هل أقول؟ أظنُّ أنكَ ستضحك مني وتُسمي ذلك هدهدةً للنفس، ولكن أتدري أنني أريد، وأريد بشدة، أن أعتقد أنك بقيتَ اليوم في البيت من أجلي لكي نقضي هذا المساء معًا. نعم؟ هل يمكن أن أعتقد ذلك؟
– اعتقدي (قال أرلوف حاجبًا عينيه) الشخص السعيد حقًّا هو مَن يعتقد، ليس فقط بما هو موجود، بل حتى بما ليس له وجود.
– لقد قُلتَ شيئًا طويلًا، فلم أفهم جيدًا. هل معنى ذلك أنك تريد أن تقول بأن السعداء يعيشون بالخيال؟ نعم، هذا صحيح. أنا أحبُّ الجلوس في مكتبك مساءً والانطلاق بأفكاري بعيدًا بعيدًا … أشعر بالراحة أحيانًا إذ أحلم. هيَّا يا جورج نحلم بصوت مسموع!
– أنا لم أذهب إلى الجامعة ولم أدرس هذا العلم.
فسألت زينائيدا فيودوروفنا وهي تتناول يده: أنتَ مُعتلُّ المزاج؟ قُل لي، ما السبب؟ عندما تكون في هذه الحالة أشعر بالخوف. ولا أفهم هل يرهقك الصداع أم إنك غاضبٌ مني.
ومرَّت عِدَّة دقائق طويلة أخرى في صمت.
لماذا تغيَّرت؟ قالت بصوت خافت. لماذا لم تعد رقيقًا ومرحًا كما كنتَ في زنامينسكايا؟ لقد عشتُ عندك شهرًا تقريبًا، لكنْ يُخيَّل إليَّ أننا لم نبدأ حياتنا معًا ولم نتحدث بعدُ عن أيِّ شيء كما يجب. في كل مرة تجيبني بمزحات أو بإجابات طويلة باردة كمُعلِّم. وفي مزحاتك يلوح شيءٌ بارد … لماذا كففتَ عن التحدث معي بجدية؟
– أنا دائمًا أتحدث بجدية.
– إذَن هيَّا نتحدث. أستحلفك ب**** يا جورج … هيَّا؟
– هيَّا … ولكنْ عمَّ؟
– سوف نتحدث عن حياتنا، عن المستقبل (قالت زينائيدا فيودوروفنا حالمة) إنني أظلُّ أرسم وأرسم خُططًا للحياة، وكم أشعر بالراحة! جورج، سأبدأ بسؤال: متى ستترك الخدمة؟
فسألها أرلوف وهو يرفع يده عن جبينه: وما ضرورة ذلك؟
– بمثل آرائك يستحيل أن تخدم. أنتَ هناك لستَ في مكانك.
فسأل أرلوف: آرائي! آرائي! أنا حسب معتقداتي وطبيعتي موظف عادي، بطل من أبطال شيدرين. أؤكد لكِ أنكِ تظنينني شخصًا آخر.
– عُدتَ للمزاح يا جورج!
– على الإطلاق. ربما لا ترضيني الخدمة، ومع ذلك فهي بالنسبة لي أفضل من أيِّ شيء آخر. فهناك أَلِفتُ الجو، والناس هناك مثلي، على أيِّ حال أنا هناك لستُ زائدًا عن الحاجة، وأشعر بنفسي لا بأس.
– إنكَ تمقت الخدمة، تشمئز منها.
– حقًّا؟ لو أنني استقلت، وأخذتُ أحلم بصوت مسموع، وأنطلق بأفكاري إلى عالم آخر، فهل تظنين أن هذا العالم سيكون عندي أقلَّ بُغضًا من الخدمة؟
– لكي تعارضني فإنكَ مستعدٌّ حتى للافتراء على نفسك (قالت زينائيدا فيودوروفنا بغضب ونهضت) إنني آسفة إذ بدأتُ هذا الحديث.
– لماذا تغضبين؟ إنني مثلًا لا أغضب من أنكِ لا تخدمين. كلٌّ يعيش كما يحلو له.
– وهل أنتَ تعيش كما يحلو لك؟ هل أنتَ حُر؟ ومضَت زينائيدا فيودوروفنا تقول مُلوِّحةً بيديها في يأس: أن تكتب طول العمر أوراقًا مُنافيةً لمعتقداتك، أن تخضع، وتهنئ الرؤساء بالعام الجديد، ثم هذا اللعب الذي لا ينتهي بالورق، والأهمُّ من ذلك أن تخدم نُظمًا لا يمكن أن تكون قريبةً إلى نفسك … كلَّا يا جورج، كلَّا! لا تمزح بهذه الفظاظة. هذا فظيع. أنتَ رجل عقيدة، وعليك أن تخدم عقيدتك فقط.
فتنهَّد أرلوف قائلًا: حقًّا، إنكِ تظنينني شخصًا آخر.
فدمدَمَت زينائيدا فيودوروفنا من خلال الدموع: قُل ببساطة إنكَ لا تريد أن تتحدث معي. أنتَ لا تطيقني، هذا هو الأمر.
فقال أرلوف بلهجة نصح وهو يتململ في الفوتيل: اسمعي يا عزيزتي، أنتِ تفضَّلتِ بالقول بأنني رجل ذكي مُثقف، وتعليم المتعلم لا يؤدِّي إلا إلى إفساده. إن جميع المعتقدات، الصغيرة منها والكبيرة، والتي أشرتِ إليها عندما سمَّيتِني رجل عقيدة، معروفةٌ جيدًا لي. وبالتالي فإذا كنتُ أفضِّل الخدمة ولعب الورق على هذه العقائد، ففي الغالب لديَّ أساسٌ لذلك. هذا أولًا. وثانيًا، فأنتِ بقدْر علمي، لم تخدمي أبدًا، ومعلوماتك عن الخدمة في الدولة تستطيعين استقاءها من النِّكات والروايات السيئة فقط. ولهذا فلا بأس أن نتفق اتفاقًا لا رجعة فيه؛ ألَّا نتحدث عمَّا نعرفه منذ زمن بعيد، أو عمَّا يتجاوز نطاق أهليَّتنا.
لماذا تتحدث معي هكذا؟ (قالت زينائيدا فيودوروفنا وهي تتراجع إلى الوراء كأنما فزع) لماذا؟ جورج، أفِق أرجوك!
تهدَّج صوتُها وتحشرج، ويبدو أنها كانت تحاول كبت دموعها، ولكنها انتحبَت فجأة: جورج، يا عزيزي، إنني أهلك! (قالت بالفرنسية وهي تتهاوى بسرعة أمام أرلوف، ووضعَت رأسها على رُكبتَيه) إنني مُعذَّبة، مُنهَكة، أنا لا أستطيع أن أتحمَّل بعد، لا أستطيع … في طفولتي كانت زوجة أبي البغيضة المُنحلَّة، ثم زوجي، والآن أنتَ … أنتَ … أنتَ تردُّ على حبي المجنون بالسخرية والبرود … وهذه الخادمة الفظيعة الوقحة! (استطردَت وهي تنتحب) نعم، نعم إنني أرى. أنا لستُ زوجةً لك، لستُ صديقًا، بل امرأة لا تحترمها لأنها أصبحَت عشيقتك … سأقتل نفسي!
لم أكُن أتوقَّع أن يكون لهذه الكلمات وهذا البكاء مثل هذا التأثير القوي على أرلوف، فقد تضرَّج وأخذ يتململ بقلقٍ في الفوتيل، وبدلًا من السخرية ظهر على وجهه خوف صبياني بليد.
ودمدم بارتباكٍ وهو يلمس كتفَيها وشعرها: يا عزيزتي، أنتِ لم تفهميني، أقسم لكِ. سامحيني. أتوسَّل إليكِ. أنا لم أكُن على حقٍّ و… أمقت نفسي.
– إنني أهينك بشكوايَ وأنيني … أنتَ إنسان شريف، نبيل، نادر، وأنا أدرك هذا في كل لحظة، ولكن الكآبة عذَّبَتني طوال هذه الأيام.
وعانقَت زينائيدا فيودوروفنا أرلوف بتوتر، وقبَّلَته على خدِّه.
ودمدم أرلوف: فقط لا تبكي، أرجوكِ.
– كلَّا، كلَّا … لقد شبعتُ بكاءً، وأشعر بالراحة.
– بخصوص الخادمة، فمن الغد لن تكون هنا (قال وهو لا يزال يتململ في مقعده بقلق).
– كلَّا، بل يجب أن تبقى يا جورج! أتسمعني؟ أنا لم أعد أخشاها … ينبغي أن أكون أرفع من هذه التفاهات وألَّا أفكر بالحماقات. أنتَ على حق! أنتَ إنسان نادر … رائع!
وسرعان ما كفَّت عن البكاء وجلسَت على رُكبتَي أرلوف، والدموع لم تجف بعدُ على رموشها، وأخذَت تروي له شيئًا مؤثرًا، أشبه بذكريات الطفولة والصِّبَا، وتمسح براحتها على وجهه، وتُقبِّل يديه وتتفحَّصهما بعنايةٍ بأصابعهما ذات الخواتم، وكذلك المدلاة ذات السلسلة. وجذبَتها روايتها وقُربها من شخص حبيب، وربما لأن الدموع الأخيرة قد طهَّرَت روحها وأنعشَتها فقد رنَّ صوتُها بصفاء وصدق غير عاديَّين. أمَّا أرلوف فكان يلعب بشعرها الكستنائي ويلثم يديها بشفتَيه دون صوت.
وبعد ذلك شربَا الشاي في غرفة المكتب، وقرأت زينائيدا فيودوروفنا رسائلَ ما بصوت مسموع. وفي بداية الساعة الواحدة ذهبَا إلى غرفة النوم.
في تلك الليلة انتابني ألمٌ شديدٌ في جنبي، فلم أنَم ولم أشعر بالدفء حتى الصباح. وسمعتُ أرلوف يخرج من غر
وبعد ذلك بزمن قصير، حوالي ثلاثة أيام، عادت زينائيدا فيودوروفنا من مكانٍ ما، فنسيَت في المدخل حافظة نقودها. ولحسن حظي لم أكُن أنا الذي ساعدتُها هذه المرة على خلع معطفها، بل بوليا. وعندما تذكرَت المحفظة لم تجدها في المدخل.
قالت زينائيدا فيودوروفنا مستغربة: غريبة! إنني أذكر جيدًا أنني أخرجتُها من جيبي لكي أنقد الحوذي، ثم وضعتُها هنا بجوار المرآة. عجيبة!
لم أكُن سارقًا، ولكنْ تملَّكني إحساسٌ كأنما كنتُ أنا السارق وضبطوني، حتى إن عينيَّ اغرورقتَا بالدموع. وعندما جلسَا للغداء قالت زينائيدا فيودوروفنا لأرلوف بالفرنسية: بيتنا سكنَته الأرواح. فقدتُ اليوم محفظتي في المدخل، وإذا بي أجدها الآن على طاولتي. ولكن الأرواح لم تُقدِّم هذه النمرة مجانًا، فقد أخذَت مقابل عملها قِطعةً ذهبيةً وعشرين روبلًا.
فقال أرلوف: تارةً تُضيِّعين ساعتك، وتارةً نقودك … فلماذا لا يحدث معي أيُّ شيء من هذا القبيل؟
وبعد لحظة لم تعد زينائيدا فيودوروفنا تذكر شيئًا عن النمرة التي دبَّرتها الأرواح، وأخذَت تروي وهي تضحك كيف أوصَت في الأسبوع الماضي على أوراق رسائل، ولكنها نسيَت أن تعطي عنوانها الجديد، فأرسل المتجر الأوراق حسب العنوان القديم إلى زوجها، الذي اضطرَّ أن يدفع اثنَي عشَرَ روبلًا لفاتورة الحساب. وفجأةً توقَّف نظرها على بوليا وثبتَت عليها عينًا فاحصة. وفي نفس اللحظة تضرَّج وجهُها وارتبكت إلى درجة أنها حوَّلت مجرى الحديث إلى موضوع آخر.
وعندما دخلتُ غرفة الكتب حاملًا القهوة، كان أرلوف واقفًا وظهره إلى المدفأة، بينما جلسَت هي في مقعد قُبالته. وقالت بالفرنسية: ليس مزاجي مُعتلًّا أبدًا، لكني أخذتُ أفطن فأدركتُ كل شيء. أستطيع أن أحدِّد لك اليوم، بل وحتى الوقت الذي سُرقت فيه الساعة. والمحفظة؟ هنا لا يمكن أن تكون أيُّ شكوك. أوه! (وضحكت وهي تتناول مني القهوة): الآن أدركتُ لماذا أفقد مناديلي وقفازاتي بهذه الكثرة، كما تشاء، ولكني سأسرِّح هذه اللصَّة وأبعث بستيبان ليُحضر وصيفتي صوفيا، فهذه ليست لِصَّة، وليس لها هذه الهيئة اﻟ … المُنفرة.
– أنتِ مُعتلَّة المزاج. غدًا يختلف مزاجك فتدركين أنه لا يصحُّ طرد شخص فقط لأنك ترتابين فيه.
فقالت زينائيدا فيووروفنا: أنا لا أرتاب بل واثقة. وعندما كنتُ أرتاب في هذا البروليتاري ذي الوجه البائس، خادمك، لم أقُل أيَّ كلمة مُهينة. من المُحزن يا جورج أنكَ لا تُصدِّقني.
فقال أرلوف: إذا كان تفكيرنا مختلفًا حول موضوع مُعيَّن، فهذا لا يعني أنني لا أصدِّقك (واستدار نحو نار المدفأة وألقى فيها سيجارته) ومع ذلك لا داعي للانفعال. وعلى العموم أصارحك بأنني لم أتوقَّع أن تُسبِّب لك مملكتي الصغيرة كل هذه الهموم الجدية والانفعالات. ضاعت قِطعَة نقود ذهبية، فليكُن، لها ****، خُذي مني ولو مائة قِطعَة، أمَّا أن نُغيِّر النظام، ونأخذ من الشارع خادمةً جديدة، وننتظر حتى تعتاد … كل هذا شيء طويل، مُمل، لا يتفق مع طباعي. صحيحٌ أن خادمتنا الحالية سمينة، وربما تعاني من مَيل خاص إلى المناديل والقفازات، ولكنها في المقابل محترمة، منضبطة، ولا تصرخ عندما يقرصها كوكوشكين.
– باختصار أنتَ لا تستطيع أن تفترق عنها … قُل بصراحة.
– هل تغارين؟
– نعم، أنا أغار! قالت زينائيدا فيودوروفنا بحزم.
– أشكرك.
– نعم، أنا أغار! (ردَّدَت ولمعَت في عينيها الدموع) كلَّا، ليست هذه غَيرة، بل شيءٌ أسوأ … لا أعرف كيف أسميه. وأمسكت بصدغيها واستطردَت باندفاع: أنتم الرجال كيف تصبحون كريهين! هذا فظيع!
– لا أرى في ذلك أيَّ فظاعة.
– أنا لم أرَ، ولا أعرف، ولكنْ يُقال إنكم، أنتم الرجال، منذ الطفولة تبدءون مع الخادمات، وبعد ذلك، ومع التعود، لا تشعرون بأيِّ تقزُّز. أنا لا أعرف، لا أعرف، ولكني قرأت … جورج، طبعًا أنت مُحق (قالت وهي تقترب من أرلوف مُغيِّرةً من نبرتها إلى نبرة رقيقة ضارعة بالفعل) أنا اليوم مُعتلَّة المزاج. لكنْ أرجوك افهمني، أنا لا أستطيع. إنها كريهة، وأنا أخافها، أشعر بالضيق من رؤيتها.
فقال أرلوف هازًّا كتفَيه باستغراب ومبتعدًا عن المدفأة: ألا يمكن أن تكوني أرفع من ذلك؟ ليس هناك شيءٌ أسهل من هذا. لا تلاحظيها ولن تكون عندئذٍ كريهة، ولن تحتاجي إلى صُنع مأساة كاملة من شيء تافه.
خرجتُ من المكتب فلم أعرف الإجابة التي تلقَّاها أرلوف. وأيًّا كان الأمر فقد ظلَّت بوليا عندنا، وبعد ذلك لم تعد زينائيدا فيودوروفنا تطلب منها شيئًا، إذ يبدو أنها حاولت أن تستغنيَ عن خدماتها. وعندما كانت بوليا تُقدِّم لها شيئًا، أو تمرُّ فقط من جوارها وهي ترن بأسورتها وتخشخش بجونلاتها، كانت زينائيدا فيودوروفنا تنتفض.
وأعتقد أنه لو طلب جروزين، أو بيكارسكي، من أرلوف أن يطرد بوليا لفعل ذلك دون أدنى تردُّد، ولمَا أرهق نفسه بأيِّ تفسيرات، فقد كان سلس القياد ككل الأشخاص اللامبالين، ولكنه في علاقاته بزينائيدا فيودوروفنا، وحتى في أتفه الأمور، كان لسببٍ ما يُبدي عنادًا يبلغ أحيانًا حدَّ الاستبداد. وهكذا أصبحتُ أعرف مُقدَّمًا أنه إذا ما أعجب شيءٌ ما زينائيدا فيودوروفنا فلن يعجبه بالتأكيد. وعندما كانت تسرع بعد عودتها من المتجر إلى التفاخر أمامه بما ابتاعه، كان يُلقي نظرةً سريعةً إلى تلك الأشياء ويقول ببرود إنه كلما ازدادت الأشياء غير الضرورية في الشقة أصبح الهواء أقل. وكان يحدث أحيانًا، بعد أن يرتدي الفراك ليذهب إلى مكانٍ ما، ويُودِّع زينائيدا فيودوروفنا، أن يبقى في المنزل فجأةً بدافع العناد. وكان يُخيَّل إليَّ آنذاك أنه لم يبقَ في المنزل إلا لكي يشعر أنه تعيس.
لماذا بقيت؟ تقول زينائيدا فيودوروفنا بحزن مصطنع وهي تتهلَّل من السعادة في الوقت نفسه. لماذا؟ لقد تعودتَ ألَّا تبقى في البيت مساءً، وأنا لا أريد أن تُغيِّر عاداتك من أجلي. اذهب أرجوك، إذا كنتَ لا تريد أن أشعر بأني مُذنبة.
فيقول أرلوف: وهل هناك مَن يُحمِّلك ذنبًا؟
ويستلقي في الفوتيل في غرفة المكتب وعليه سيماء الضحيَّة، ويتناول كتابًا، حاجبًا عينيه بيده. ولكن سرعان ما يسقط الكتاب من يده، فيتقلَّب في الفوتيل بتثاقل، ويحجب عينيه ثانيةً كأنما يتقِّي الشمس. الآن أصبح يشعر بالأسى لأنه لم يذهب.
وتقول زينائيدا فيودوروفنا وهي تدخل المكتب بتردُّد: ممكن أدخل؟ أنت تقرأ؟ أمَّا أنا فاشتقتُ إليك وجئتُ لدقيقة واحدة … لألقي نظرة.
وأذكر أنها دخلت عليه ذات مساءٍ بمثل هذا التردُّد، وبغير مناسبة استقرَّت على البساط عند قدمَي أرلوف، وكان واضحًا من حركاتها الوَجِلة الناعمة أنها لم تكُن تفهم مزاجه وتخشاه.
وبدأت تقول بصوت مُتسلِّل وهي ترغب فيما يبدو في مداهنته: ما زلتَ تقرأ؟ أتدري يا جورج ما هو السرُّ الآخر لنجاحك؟ أنك مثقفٌ جدًّا وذكي. ما هذا الكتاب الذي تقرؤه؟
وأجابها أرلوف، ومرَّت بضع دقائق في صمت، فبَدَت لي طويلةً للغاية. كنت واقفًا في غرفة الجلوس أرقبهما من هناك وأنا أخشى أن يداهمني السعال.
وقالت زينائيدا فيودوروفنا بصوت خافت ثم ضحكت: كنتُ أودُّ أن أقول لك شيئًا ما … هل أقول؟ أظنُّ أنكَ ستضحك مني وتُسمي ذلك هدهدةً للنفس، ولكن أتدري أنني أريد، وأريد بشدة، أن أعتقد أنك بقيتَ اليوم في البيت من أجلي لكي نقضي هذا المساء معًا. نعم؟ هل يمكن أن أعتقد ذلك؟
– اعتقدي (قال أرلوف حاجبًا عينيه) الشخص السعيد حقًّا هو مَن يعتقد، ليس فقط بما هو موجود، بل حتى بما ليس له وجود.
– لقد قُلتَ شيئًا طويلًا، فلم أفهم جيدًا. هل معنى ذلك أنك تريد أن تقول بأن السعداء يعيشون بالخيال؟ نعم، هذا صحيح. أنا أحبُّ الجلوس في مكتبك مساءً والانطلاق بأفكاري بعيدًا بعيدًا … أشعر بالراحة أحيانًا إذ أحلم. هيَّا يا جورج نحلم بصوت مسموع!
– أنا لم أذهب إلى الجامعة ولم أدرس هذا العلم.
فسألت زينائيدا فيودوروفنا وهي تتناول يده: أنتَ مُعتلُّ المزاج؟ قُل لي، ما السبب؟ عندما تكون في هذه الحالة أشعر بالخوف. ولا أفهم هل يرهقك الصداع أم إنك غاضبٌ مني.
ومرَّت عِدَّة دقائق طويلة أخرى في صمت.
لماذا تغيَّرت؟ قالت بصوت خافت. لماذا لم تعد رقيقًا ومرحًا كما كنتَ في زنامينسكايا؟ لقد عشتُ عندك شهرًا تقريبًا، لكنْ يُخيَّل إليَّ أننا لم نبدأ حياتنا معًا ولم نتحدث بعدُ عن أيِّ شيء كما يجب. في كل مرة تجيبني بمزحات أو بإجابات طويلة باردة كمُعلِّم. وفي مزحاتك يلوح شيءٌ بارد … لماذا كففتَ عن التحدث معي بجدية؟
– أنا دائمًا أتحدث بجدية.
– إذَن هيَّا نتحدث. أستحلفك ب**** يا جورج … هيَّا؟
– هيَّا … ولكنْ عمَّ؟
– سوف نتحدث عن حياتنا، عن المستقبل (قالت زينائيدا فيودوروفنا حالمة) إنني أظلُّ أرسم وأرسم خُططًا للحياة، وكم أشعر بالراحة! جورج، سأبدأ بسؤال: متى ستترك الخدمة؟
فسألها أرلوف وهو يرفع يده عن جبينه: وما ضرورة ذلك؟
– بمثل آرائك يستحيل أن تخدم. أنتَ هناك لستَ في مكانك.
فسأل أرلوف: آرائي! آرائي! أنا حسب معتقداتي وطبيعتي موظف عادي، بطل من أبطال شيدرين. أؤكد لكِ أنكِ تظنينني شخصًا آخر.
– عُدتَ للمزاح يا جورج!
– على الإطلاق. ربما لا ترضيني الخدمة، ومع ذلك فهي بالنسبة لي أفضل من أيِّ شيء آخر. فهناك أَلِفتُ الجو، والناس هناك مثلي، على أيِّ حال أنا هناك لستُ زائدًا عن الحاجة، وأشعر بنفسي لا بأس.
– إنكَ تمقت الخدمة، تشمئز منها.
– حقًّا؟ لو أنني استقلت، وأخذتُ أحلم بصوت مسموع، وأنطلق بأفكاري إلى عالم آخر، فهل تظنين أن هذا العالم سيكون عندي أقلَّ بُغضًا من الخدمة؟
– لكي تعارضني فإنكَ مستعدٌّ حتى للافتراء على نفسك (قالت زينائيدا فيودوروفنا بغضب ونهضت) إنني آسفة إذ بدأتُ هذا الحديث.
– لماذا تغضبين؟ إنني مثلًا لا أغضب من أنكِ لا تخدمين. كلٌّ يعيش كما يحلو له.
– وهل أنتَ تعيش كما يحلو لك؟ هل أنتَ حُر؟ ومضَت زينائيدا فيودوروفنا تقول مُلوِّحةً بيديها في يأس: أن تكتب طول العمر أوراقًا مُنافيةً لمعتقداتك، أن تخضع، وتهنئ الرؤساء بالعام الجديد، ثم هذا اللعب الذي لا ينتهي بالورق، والأهمُّ من ذلك أن تخدم نُظمًا لا يمكن أن تكون قريبةً إلى نفسك … كلَّا يا جورج، كلَّا! لا تمزح بهذه الفظاظة. هذا فظيع. أنتَ رجل عقيدة، وعليك أن تخدم عقيدتك فقط.
فتنهَّد أرلوف قائلًا: حقًّا، إنكِ تظنينني شخصًا آخر.
فدمدَمَت زينائيدا فيودوروفنا من خلال الدموع: قُل ببساطة إنكَ لا تريد أن تتحدث معي. أنتَ لا تطيقني، هذا هو الأمر.
فقال أرلوف بلهجة نصح وهو يتململ في الفوتيل: اسمعي يا عزيزتي، أنتِ تفضَّلتِ بالقول بأنني رجل ذكي مُثقف، وتعليم المتعلم لا يؤدِّي إلا إلى إفساده. إن جميع المعتقدات، الصغيرة منها والكبيرة، والتي أشرتِ إليها عندما سمَّيتِني رجل عقيدة، معروفةٌ جيدًا لي. وبالتالي فإذا كنتُ أفضِّل الخدمة ولعب الورق على هذه العقائد، ففي الغالب لديَّ أساسٌ لذلك. هذا أولًا. وثانيًا، فأنتِ بقدْر علمي، لم تخدمي أبدًا، ومعلوماتك عن الخدمة في الدولة تستطيعين استقاءها من النِّكات والروايات السيئة فقط. ولهذا فلا بأس أن نتفق اتفاقًا لا رجعة فيه؛ ألَّا نتحدث عمَّا نعرفه منذ زمن بعيد، أو عمَّا يتجاوز نطاق أهليَّتنا.
لماذا تتحدث معي هكذا؟ (قالت زينائيدا فيودوروفنا وهي تتراجع إلى الوراء كأنما فزع) لماذا؟ جورج، أفِق أرجوك!
تهدَّج صوتُها وتحشرج، ويبدو أنها كانت تحاول كبت دموعها، ولكنها انتحبَت فجأة: جورج، يا عزيزي، إنني أهلك! (قالت بالفرنسية وهي تتهاوى بسرعة أمام أرلوف، ووضعَت رأسها على رُكبتَيه) إنني مُعذَّبة، مُنهَكة، أنا لا أستطيع أن أتحمَّل بعد، لا أستطيع … في طفولتي كانت زوجة أبي البغيضة المُنحلَّة، ثم زوجي، والآن أنتَ … أنتَ … أنتَ تردُّ على حبي المجنون بالسخرية والبرود … وهذه الخادمة الفظيعة الوقحة! (استطردَت وهي تنتحب) نعم، نعم إنني أرى. أنا لستُ زوجةً لك، لستُ صديقًا، بل امرأة لا تحترمها لأنها أصبحَت عشيقتك … سأقتل نفسي!
لم أكُن أتوقَّع أن يكون لهذه الكلمات وهذا البكاء مثل هذا التأثير القوي على أرلوف، فقد تضرَّج وأخذ يتململ بقلقٍ في الفوتيل، وبدلًا من السخرية ظهر على وجهه خوف صبياني بليد.
ودمدم بارتباكٍ وهو يلمس كتفَيها وشعرها: يا عزيزتي، أنتِ لم تفهميني، أقسم لكِ. سامحيني. أتوسَّل إليكِ. أنا لم أكُن على حقٍّ و… أمقت نفسي.
– إنني أهينك بشكوايَ وأنيني … أنتَ إنسان شريف، نبيل، نادر، وأنا أدرك هذا في كل لحظة، ولكن الكآبة عذَّبَتني طوال هذه الأيام.
وعانقَت زينائيدا فيودوروفنا أرلوف بتوتر، وقبَّلَته على خدِّه.
ودمدم أرلوف: فقط لا تبكي، أرجوكِ.
– كلَّا، كلَّا … لقد شبعتُ بكاءً، وأشعر بالراحة.
– بخصوص الخادمة، فمن الغد لن تكون هنا (قال وهو لا يزال يتململ في مقعده بقلق).
– كلَّا، بل يجب أن تبقى يا جورج! أتسمعني؟ أنا لم أعد أخشاها … ينبغي أن أكون أرفع من هذه التفاهات وألَّا أفكر بالحماقات. أنتَ على حق! أنتَ إنسان نادر … رائع!
وسرعان ما كفَّت عن البكاء وجلسَت على رُكبتَي أرلوف، والدموع لم تجف بعدُ على رموشها، وأخذَت تروي له شيئًا مؤثرًا، أشبه بذكريات الطفولة والصِّبَا، وتمسح براحتها على وجهه، وتُقبِّل يديه وتتفحَّصهما بعنايةٍ بأصابعهما ذات الخواتم، وكذلك المدلاة ذات السلسلة. وجذبَتها روايتها وقُربها من شخص حبيب، وربما لأن الدموع الأخيرة قد طهَّرَت روحها وأنعشَتها فقد رنَّ صوتُها بصفاء وصدق غير عاديَّين. أمَّا أرلوف فكان يلعب بشعرها الكستنائي ويلثم يديها بشفتَيه دون صوت.
وبعد ذلك شربَا الشاي في غرفة المكتب، وقرأت زينائيدا فيودوروفنا رسائلَ ما بصوت مسموع. وفي بداية الساعة الواحدة ذهبَا إلى غرفة النوم.
في تلك الليلة انتابني ألمٌ شديدٌ في جنبي، فلم أنَم ولم أشعر بالدفء حتى الصباح. وسمعتُ أرلوف يخرج من غر