NESWANGY

سجل عضوية او سجل الدخول للتصفح من دون إعلانات

سجل الان!

مكتملة الفتاة التي لا تظهر في المرايا ـ حتي الجزء العاشر 18/12/2025

عمو جضيت

A L R O B Y
« نائب برلماني »
فارس الكلمة
نجم ايدول
افضل عضو
العضو الخلوق
نسوانجى مثقف
نسوانجي متفاعل
نسوانجي خفيف الظل
دكتور نسوانجي
أستاذ نسوانجي
عضو
ناشر قصص
ناشر المجلة
مستر نسوانجي
إنضم
1 أبريل 2025
المشاركات
2,707
التعليقات المُبرزة
29
مستوى التفاعل
1,929
نقاط
89,110
كان الليل في مدينة الضباب تقيل، وبارد بطريقة غير مريحة، كأنه طبقة سميكة من الهوا واقفة فوق صدرك. في وسط الضباب ده، كان أحمد الروبي واقف قدام مبنى قديم متهالك معروف عند السكان باسم بيت الندى، واللي ارتبط اسمه بحكايات غريبة وحوادث اختفاء محدش لقيلها تفسير.

أحمد، المحقق اللي الناس تقول عنه إنه "يشوف اللي غيره ما يشوفوش"، جاله بلاغ غريب من أسبوع، ورغم إنه شاف كتير في شغله، البلاغ ده بالذات ماكانش شبه أي حاجة قبل كده. البلاغ كان ورقة صغيرة مكتوب فيها: "لو عايز تعرف الحقيقة… تعال لوحدك." وموقّعة باسم بنت مختفية بقالها شهر… ليان.

وقف قدام الباب الحديدي المهترئ، سحب نفس طويل، ودفع الباب وهو حاسس إن الليلة دي هتغيّر حاجات كتير جواه. أول ما دخل، الهوا جوه كان أبرد من المتوقّع، برد يخترق العظم مش الجلد بس. وسمع فوق راسه صوت خطوات… خطوات بطيئة، كأن حدّ بيتحرك من غير وزن.

رفع الكشاف لفوق… ولمحها.
كانت واقفة عند الدرابزين، جسمها نحيف، شعرها نازل على كتافها، وفستان أبيض طويل. كانت بصالُه مباشرة… وبعد ثانية واحدة اختفت، مش جريت ولا اتحركت… لا، اختفت حرفيًا.

طلع السلم بخطوات محسوبة، وكل خطوة كان صداها يتردد بطريقة تخوف. لقى كل أبواب الدور الثاني مقفولة، ماعدا باب واحد… الباب اللي عليه رقم ٧. نفس الرقم اللي ظهر آخر مرة في رسالة ليان قبل ما تتبخر من الدنيا.

فتح الباب ودخل.
الغرفة بسيطة، سرير، كرسي، ومرآة كبيرة مكسورة من الطرف. لكن اللي شدّ نظره إنها كانت قاعدة على السرير… نفس البنت اللي شافها فوق. بصت له كأنها عارفة إنه جاي مخصوص لها.

قال بهدوء:
«إنتِ… ليان؟»
هزّت راسها.

دخل خطوة… ولما بص للمرآة وراها، قلبه وقع.
انعكاسها مش موجود.
السرير ظاهر، الجدار ظاهر، بس هي… ولا كأنها في المكان.

هي قالت له وهي واقفة ببطء:
«ما تبصّش في المرايا… أبص ليّ أنا بس.»

كانت واقفة قدامه قريب… قريب لدرجة إنه شمّ ريحة شعرها، ريحة مطر ممزوجة بنعناع خفيف. قربها منه ماكانش فيه خوف… كان فيه ارتباك غريب، مزيج بين الحذر والجاذبية. رفعت يدها ولمست طرف قميصه، لمسة خفيفة جدًا، مش لمسة حب… لمسة حدّ بيتأكد إنه واقف قدامه بجد.

همست:
«إنت اتأخرت.»

سألها:
«اتأخرت على إيه؟»

عينها اتسعت شوية وقالت:
«في حدّ بيدوّر عليك… نفس اللي خلّاني ما أبقاش موجودة في المرايا.»

قبل ما يرد، شدته فجأة ناحية المرآة.
ولما بص… حس إن قلبه بيبطّل شغل.

انعكاسه في المرآة كان بيبتسم…
وهو مش بيبتسم.
ابتسامة واسعة، مش طبيعية.
وبعدين… انعكاسه مدّ إيده ولمس كتف ليان، رغم إن أحمد نفسه واقف ثابت.

ليان شهقت، شهقة خوف مش وجع، وده أوّل خوف حقيقي شافه على وشّها.
قال لها بصوت غليظ:
«ابعدي عن المرآة.»

بس انعكاسه كان أسرع منه… شدّ يد ليان في الزجاج، ووشّها اتشدّ لقدّام كأن قوة بتسحبها من جوّا المرآة.

أحمد مسكها بسرعة، سحبها ناحيته بكل قوته، لقاها بتترعش… وجسمها بارد بشكل مش طبيعي، كأنها كانت واقفة تحت مطر متجمّد.

كانت قريبة جدًا منه، لدرجة إنه حسّ بأنفاسها السريعة على صدره.
رفعت وشّها ليه، عيونها مليانة خوف وثقة وغموض… نظرة تخلي أي حدّ يتلخبط. قالت بصوت مرتجف:
«هو مش سايبني… ولسه شايفني.»

أحمد حس بوجود تقيل ورا ضهره، وجود حدّ واقف يتفرج، يتنفس معاهم… بس مش بشري.
قرب ليان منه أكتر، وكأنه بيحاول يخفيها من اللي بيطاردها.

همست وهي بتشدّ في قميصه:
«لو خرجت من هنا… هيمشي وراك.»

مرت لحظة سكت… مرهقة، مرعبة، وغريبة بنفس الوقت.
وبعدها قالت جملة خلّت جسمه يقشعر:

«إنت مش جيت تنقذني…
إنت جيت عشاني.
وهو مش هيوافق.»

أحمد حاس إن القصة دي… مش مجرد اختفاء.
ولا مجرد شبح.
فيه رابط…
قوة…
وحاجة بتقربه من ليان غصب عنه، كأنها جزء من مصيره اللي ماكانش عارفه.

وهنا…
وقف صوت خطوات تقيلة برا الباب.
خطوات وزن حدّ مش طبيعي…
والباب بدأ ينفتح ببطء.

والمشهد اتقفل عند صوت ليان الضعيف وهي تتمسك بيه أكتر:

«ما تبصّش في المرايا… مهما حصل.»

الباب كان بيتهز كأنه في حدّ بيضغط عليه من برّا بقوة مش طبيعية، قوة تخلي المفصلات تأنّ وتصرّخ. أحمد وقف قدّام ليان بشكل تلقائي، جسمه حاجز بينها وبين اللي جاي، رغم إنه مش فاهم هو بيحميها من إيه بالظبط. كان يسمع نفسها من وراه، نفس متسارع، مش بس خوف… كأنه صراع بين إنها تهرب وإنها تتعلق بيه أكتر.

الباب وقف عن الحركة فجأة.
صمت غريب… صمت يخوّف أكتر من الصوت نفسه.
وبعدين…
انفجرت المرآة اللي في الغرفة من غير ما حدّ يلمسها.
كل قطع الزجاج اتطارت في الهوا، بس ولا كسرة منهم قربت من ليان.
كأن حاجة بتحميها… أو بتحاصرها.

أحمد مسك إيدها بقوة، وده أول مرة هو اللي يبتدي اللمسة.
وقال لها بصوت واطي لكنه ثابت:
«اتكلمي… إيه اللي بيطاردك؟»

بصّت له بثبات غريب… وثباتها ده خوفه أكتر.
قالت:
«مش بيطاردني أنا… بيطارد أي حدّ يقرب مني.»

قربت خطوة منه، لدرجة إن هدومها لمست طرف هدومه، وكأنها بتحتمي فيه رغم إنها عارفة إن ده مش هيوقف الحاجة اللي برا.
تكملت وهي تبص في عينه مباشرة:
«وإنت… إنت قربت أكتر من اللازم.»

الباب اتفتح فجأة لدرجة إن الخشب ارتطم بالحائط.
لكن اللي واقف برا… ماكانش حدّ.
كان الضباب داخل زي موجة، موجة باردة وسميكة، وفي نصّه شكل غامق… شخص؟ ظلّ؟ مش واضح.
بس الصوت… الصوت كان واضح جدًا.

«رجّعها.»

صوت رجولي، عميق، مش صوت بشر، صوت كأن الحديد نفسه بيتكلم.

ليان مسكت دراع أحمد بكل قوتها وقالت بسرعة:
«ما تردّش عليه.»

أحمد حسّ إن الضباب بيزحف من على الأرض زي كائن حيّ، وبيحاصر رجليه.
قال لها:
«هتفضلي ساكتة لحد إمتى؟ لازم أعرف.»

دمعة نزلت من عينها، أول دمعة يشوفها منها.
قالت وهي صوتها مكسور:
«أنا… مش ميّتة.»

الكلمة دي خلّت الدنيا تلف حواليه.
مش ميّتة؟
طب ليه مش بتظهر في المرايا؟
ليه الضباب بينادي عليه يرجعها؟
وليه مخلوق مش معروف بيحاصر المكان عشانها؟

قربت وشّها من ودنه وقالت الجملة اللي خلّت قلبه يتجمد:
«أنا اتحبست… بين عالمين. ومش مسموح لي أكون مع بشر.
ولما جِيت… إنت كسرت الحاجز ده.
عشان كده… هو عايزك دلوقتي.»

قبل ما يقدر يقول أي حاجة، الظلّ اللي في الضباب بدأ يتشكل أكتر…
مرة رجُل.
مرة وجه مش واضح.
مرة حاجة شبه أحمد نفسه… بس مش أحمد.

الكيان قال بصوت أخفض من الأول:
«إنت… مش ليها.»

ليان صرخت لأول مرة:
«سيبه!»

وأول ما صرخت… الأرض نفسها اتشقّت بخط رفيع في نص الغرفة.
إضاءة غريبة طلعت من الشقّ… إضاءة شبه نور قمر، بس مش نور مريح، نور يخوّف.

ليان مسكت وشّه بإيدها اللي كانت باردة جدًا وقالت:
«لو مسكك… مش هتخرج تاني.»

أحمد شدّها لصدره بقوة، خطوة هو نفسه ما توقعش يعملها.
قربها منه لدرجة إن شعرها لمس دقنه، وقال لها بصوت ثابت رغم كل اللي حواليه:
«طول ما إنتي معايا… محدش هيمسّني.»

كانت لحظة غريبة.
لحظة فيها خوف… بس فيها شحنة قريبة، إحساس إنهم مش غُرب…
إحساس إن فيه رابط أكبر من اللي بيتقال.

بس الظلّ ماوقفش.
اتمدّ، واتشكل، وبقى شبه أحمد بنسبة كبيرة…
كأنه نسخة مظلمة منه.

النسخة دي ابتسمت… نفس الابتسامة اللي كان شافها في المرآة.
وقال:
«هي اختارتك…
وده غلط.»

الضباب أحاط الغرفة بالكامل، وبدأ يقرب منهم أكتر وأكتر…
لحد ما صوت ليان خرج هامس ومكسور، وهي ماسكة فيه كأنه آخر أمان في الدنيا:

«لو سبت إيدي… هختفي.»

الجزء الثالث

الضباب كان بيقفل عليهم زي باب بينضغط ببطء… مش بيجري ولا بيهجم، لكن بيقرب بثقة، كأنه عارف إن مفيش مفر. كان بارد، بارد لدرجة إن أحمد حسّ كأن أصابعه هتتجمد وهو ماسك إيد ليان.
لكن الغريب… إن إيدها نفسها كانت أبرد منه.

في اللحظة اللي الضباب لمس رجليه فيها، حس بخدر خفيف، مش خدر مؤذي… خدر يشبه لمسة كهرباء هادئة، بس مريبة. ليان قربت منه أكتر، لدرجة إن رأسها لمست كتفه وهي بتهمس، مش من خوف… لكن من حاجة أعمق، حاجة شبه يأس محمّل بحاجة شبه شوق غريب.

«ما تبصّش له… مهما حصل.»

كان نفسها سريع، وعيونها مليانة دموع مش بتنزل، بتترعش بس، وده كان أصعب من البكاء.
أحمد شاف نسخة الظلّ اللي واقفة قدامه… نفس ملامحه، نفس الطول، نفس الجسم، بس مش نفس الروح.
دي نسخة فاضية… مبتسمة ابتسامة ملهاش معنى غير إنها خطيرة.

النسخة دي قالت بصوت منخفض لدرجة إن الكلام حسّ بيه قبل ما يسمعه:
«هي مش ليك.»

أحمد حس إن الغضب بيغلي جواه لأول مرة من بداية الليلة.
مش غضب من الكيان…
غضب من فكرة إن في حدّ بيقرر مكانه… أو بيقرر مكانها.

مسك كتف ليان بإيده التانية، قربها أكتر وقال لها:
«هو مين؟»

ردّت وهي عينيها مش على الظلّ…
عينيها كلها كانت عليه هو، كأنها بتحاول تتأكد إنه لسه موجود:
«ده… النسخة اللي اتسجنت هنا مكاني. إحنا كنا اتنين… أنا ونسختي.
بس لما حاولت أهرب من العالم ده، النسخة اتشوّهت… وبقت شيء مش كامل.»

الظلّ ضحك…
ضحكة مش صوت… ضحكة ريحتها برد.

أحمد حس إن ليان بترتعش في حضنه، ولأول مرة حطّ إيده على ضهرها يهدّيها.
لمسة مش مقصودة…
لكنها خلتها تتنفس ببطء، وكأنها رجعت تفتكر إن لسه فيه أمان في الدنيا.

الظلّ قرب، خطواته مش بتلمس الأرض، كأنه بيزحف بطريقة ما.
وقال لجملة خلت جلد أحمد يقشعر:
«سيبها… وهسيبك تعيش.»

رد أحمد بدون تردد، بدون تفكير…
ردّ من قلبه قبل عقله:
«مش هسيبها.»

الضباب غلظ أكتر… كأنه غضب هو كمان.
والغرفة بدأت تهتز بخفة، اهتزاز يكاد ما يُسمع… لكنه يتشعّر.

ليان رفعت وشّها، قربت من ودنه، صوتها شبه مكسور:
«هو… بيغار.
أنا كنت ملكه… قبل السجن ما ياكلني.
ولما اخترتك… اتحرّك.»

كلمة “اخترتك” خبطت في أحمد بطريقة غريبة، كأنها فتحت باب تاني جوّاه.
قرب منها أكتر لدرجة إن أنفاسهم اتلمست، وقال بلهجة ثابتة:
«اختارتي إيه بالظبط؟»

نزلت دمعة من خدّها وبصوت يكاد ما يُسمع قالت:
«إنّي أبقى بني آدم…
وإنك تكون… الشيء الوحيد الحقيقي اللي باقي لي.»

الظلّ انفجر صراخ غاضب، صراخ مش صوت… موجة هوا قوية دفعت كل حاجة في الغرفة تتحرك.
السرير اتزق ناحية الحيطة، الش窗ر اتفتحت بقوة، والضباب دخل منهم زي سلاح.

أحمد لفّ جسمه حواليها بالكامل، كأنه حاجز بشري بينها وبين الدنيا.
ولما لفّ… حس إن حاجة بتسحب رجله لتحت.
الأرض نفسها؟
ولا الضباب؟
مش واضح… بس في حدّ بيجرّه.

ليان صرخت:
«سيبه! انت مالكش حق!»

الظلّ اتشكل أكتر… وبقى أقرب لأحمد من أي وقت.
وشّه بقى نسخة مطابقة تقريبًا… بس العيون مختلفة.
عيونه كانت سودة… حرفيًا سودة بالكامل.

الظلّ رفع إيده، ومدّها ناحية أحمد…
لكن اللي لمس إيده… كانت ليان.

حطّت يدها بين إيده وإيد أحمد.
ولما عملت كده… الأرض نفسها اتصدعت تحتهم أكتر، والضوء اللي جاي من الشقّ زاد، وكأنه بينادي عليها هي بس.

الظلّ قال بغضب:
«هو مش ليكي!»

وردّت ليان بصوت لأول مرة حسيناه قوي…
صوت مليان شيء يشبه الشجاعة:
«وأنا…
مش ليك.»

وأول ما قالتها…
الضباب انفجر في الغرفة زي ريح عاصفة، الصوت كان مرعب…
لكن الأغرب إن الظلّ بدأ يتراجع… خطوة… ورا خطوة… كأنه اتوجّع.

أحمد مسك ليان من خصرها يسندها، كانت بتتنفس بسرعة، وكأن الجملة اللي قالتها أخدت منها روحها.
سألها:
«إنتِ عملتي إيه؟»

رفعت عينيها فيه…
وقالِت جملة أخطر من اللي فات كله:

«اخترتك… بجد.
ولما اخترتك… هو خسرني.»

قربت منه أكتر، مسافة أقرب مما المفروض تكون بين اتنين في وسط خطر زي ده.
وقالت بصوت مبحوح:
«بس ده… كان معناه إنه مش هيسيبك.»

وفي اللحظة دي…
ظهر صوت من بعيد.
مش صوت الظلّ…
صوت حاجة تانية.
حاجة جاية…
أكبر…
وأخطر.

وصوت ليان اتكسر وهي تهمس:
«هو… جاي.»

الجزء الرابع
الصوت اللي كان جاي من بعيد ماكانش مجرد صوت… كان زئير مكتوم، كأنه جاي من جوف الأرض نفسها. مبنى بيت الندى اهتز مرة واحدة، اهتزاز قصير لكنه كفيل إنه يخلي الغبرة تنزل من السقف زي مطر تراب.
أحمد حسّ إن الأرض تحت رجليه بتنبض… نبض بطيء وثقيل، كأنه قلب كبير مخفي تحت البيت.

ليان اتشبثت في كم قميصه بكل قوتها، إيدها الصغيرة بتترعش، وعينيها متسعة بطريقة تخوّف.
هو ماكنش فاهم…
لكنها كانت فاهمة أكتر من اللازم.

قال لها بصوت واطي:
«مين اللي جاي؟»

ردّت وهي بتبلع ريقها بصعوبة:
«الحارس… الحارس الحقيقي للعالم اللي كنت محبوسة فيه. النسخة اللي شفتها دي؟ مجرد ظل. بس اللي جاي… هو الأصل.»

أحمد حسّ إن الدم بيجري في ضهره بسرعة.
لو اللي شافه كان مجرد ظل…
يبقى الأصل شكله إيه؟

النور اللي طالع من الشقّ في الأرض بدأ يزيد…
مش نور أبيض… نور فضّي بيميل للزرقة، زي ضوء قمر مش طبيعي.
وهذا الضوء كان بيجذب ليان، كأنه بينادي عليها، وأحمد شاف في ملامحها حاجة قريبة من الاستسلام… أو الانسحاب.

مسك وجهها بين إيديه لأول مرة، حركة ما حسبهاش—طلعت من الخوف… ومن حاجة تانية كمان.
قرب وشّه من وشّها لدرجة إن أنفاسهم اتصدمت ببعض.

قال بحزم:
«بصيلي… ركّزي معايا. مش هسيبك.»

عينيها ارتجفت، ودمعة نزلت أخيرًا.
قالت بصوت مبحوح:
«مش هتقدر… لو جه، هياخدني. دي قانونه مش قوانين البشر.»

ابتسم ابتسامة خفيفة…
ابتسامة مستفزة بالنسبة لخوفها، لكنها مطمئنة بالنسبة ليه.
وقال بثقة مش هزّها حتى الزلزال اللي تحتهم:
«يبقى نخالف قانونه.»

قبل ما تكمل اعتراضها…
الأرض اتفتحت فجأة فتحة أكبر، وطلع منها نفس بارد، بارد لدرجة إن الجدران نفسها اتغطّت بطبقة صقيع خفيف.
الضباب اللي كان مالي المكان اتسحب ناحية الشقّ، كأنه بيرجع لصاحبه.

وبعدين…
ظهر.

مش رجل.
ولا ظل.
ولا كيان بسيط.

الشكل اللي طلع كان طويل… أطول من أي بشر، جسمه نحيف بس مش هزيل، وكله ملفوف بضوء فضّي بيلف ويطعن العين.
ملامحه ماكانتش واضحة… لكن كان ليه عينين.
عينين سودا بالكامل، أعمق من الفراغ نفسه.

أول ما طلع…
ليان صرخت صرخة قصيرة ووقعت على ركبتها، كأن وجوده تقيل عليها.

أحمد نزل معاها وحط إيده ورا ضهرها يسندها.
الحارس اتقدم خطوة، ومع كل خطوة الأرض كانت تهتز اهتزاز خفيف.

رفع وجهه لأحمد لأول مرة.
وحصل شيء أغرب من الخيال.

الحارس اتكلم…
لكن مش بصوت… بكلمات دخلت دماغه مباشرة.

«هي مش لك.
هي من عالمي.
وعودها… تخصّني.»

أحمد مسك ليان بقوة أكتر وقال بصوت عالي:
«وإنت مالك؟ هي اخترتني.»

الحارس لفّ عينه عليها…
لمحة واحدة بس…
لكن النظرة دي كانت كفيلة إنها تركّعها أكتر.

«اختيارها… جريمة.»

قرب أكتر… وكان واضح إنه مش نازل يتفاهم.
ولأول مرة من يوم ما بدأ الكابوس، ليان مسكت قميص أحمد من عند صدره، مش خوف بس… طلب حماية، حاجة أقرب للاحتياج.

همست:
«ما تبصّش في عينه… لو بصّيت هياخدك بدالي.»

الحارس مدّ إيده…
إيد طويلة ورفيعة، شكلها مش بشري، أصابعه أطول من الطبيعي.
ومدّها ناحية أحمد مباشرة.

وبلحظة واحدة…
النور الفضّي لف حوالين أحمد زي دوامة…
قرب منه…
وحاول يسحبه.

جسمه اتشدّ لقدّام، رجليه حرفيًا اترفعت من الأرض، كأنه مربوط بحبل مش باين.
ليان صرخت:
«لأ!»

وبشكل مفاجئ…
قامت وقفت قدام أحمد، ما بينه وبين الحارس، وفتحت إيدها في الهوا.

الضوء اللي كان بيشدّ أحمد… اتوقف.

الحارس قال بصوت غاضب جوّا عقل أحمد:
«إزي قدرتي…؟»

وهي ردّت بصوت مسموع…
صوت قوي…
صوت أول مرة أحمد يسمعه منها:

«عشان أنا…
مش جزء منك.
مش بعد ما قابلته.»

الحارس حرك إيده بسرعة…
والغرفة كلها اتزحزحت بقوة تخلي أي حد يقع.

أحمد وقع على الأرض…
لكن ليان وقفت ثابتة…
إزاي؟
مش مفهوم.

بُصّت له، والضوء الفضّي حوالين جسمها بدأ يتحول لرمادي غامق، زي ظلّ مش بيخوف… ظلّ بيحمي.

همست له:

«لو قربلي…
إمسك إيدي.
بس… إوعي تسيبني.»

ومدّت إيدها…
إيدها اللي كانت باردة…
دلوقتي دافئة، دافئة بشكل غريب.

الحارس صرخ صرخة قوية…
وفوق الصرخة…
اتفتح شقّ تاني في الأرض…
شقّ أكبر…
وطلع منه نور أسود.

ولما النور ده لمس الحائط…
الحائط ذاب.

ليان بصّت لأحمد…
نظرة فيها خوف…
وفيها شجاعة…
وفيها حاجة تانية… أعمق.

وقالت:

«لو مسكت إيدي دلوقتي… مش هترجع زي ما كنت.»

وما استنّتش جواب.
فضلت واقفة، وإيدها ممدودة ليه…

مستنية.

كانت الأصوات في الممر تختفي واحدة وراء التانية، لحد ما ساد الصمت فجأة، صمت ثقيل كإن الفندق نفسه بيحبس أنفاسه. أحمد وقف في مكانه لحظة، بيحاول يفهم… هل الصوت اللي سمعه للغرفة 313 كان حقيقي ولا مجرد تهيؤات بسبب الليلة الغريبة دي؟

رجع يبص حوالينه، الممر كان مضاء بنور أصفر ضعيف، والجدران بتتلون كل شوية بظلال بتتحرك من مصدر مجهول. أول ما قرب من باب 313، لمح حاجة غريبة… الباب كان مفتوح شعرية، كإن حد قام منه في عجالة أو حد دخل مستعجل وماقفلش كويس.

مد إيده وفتح الباب ببطء.

الريحة كانت أوّل حاجة ضربت في وشه… ريحة عطر أنثوي، دافي، مسكر، لكنه مش غريب عنه. حسّ بخنقة جواه، كإن ذاكرة محجوبة بتحاول تطلع، بس مش قادرة.

خطا جوه الغرفة بحذر. السرير متلخبط، الكرسي واقع على الأرض، والستارة بتهتز من غير سبب واضح. ومع كل هزة، نور الشارع يدخل يفتح الغرفة ويقفلها كأنها بترمش.

لمح على الأرض ورقة. انحنى والتقطها.

كانت مكتوب فيها بخط رفيع، مائل، زي خط بنت متوترة:

"كان لازم أسيب لك علامة… بس أنت اتأخرت."

قلب الورقة على الجهة التانية…
مفيش أي حاجة.

شعور سخيف بالذنب ضربه من غير سبب. حد كان مستنيه؟ حد يعرفه؟ ولا حد بيستدرجه؟

رفع رأسه فجأة على صوت خفيف ورا الستارة… زي نفس حد واقف وساكن، لكن موجود. بص للقماشة المتحركة، وقلبه بدأ يتسارع. قرب خطوة، لكن قبل ما يمد إيده، الستارة اتفتحت فجأة بقوة من الهواء اللي جه من الشباك… ومكانش فيه حد.

رجع خطوة لورا، بيحاول يستجمع هدوءه. لكن عينه وقعت على حاجة كانت مستخبية ورا السرير… صندوق خشب صغير، لونه غامق ومقفول بقفل نحاسي. شكل الصندوق قديم، لكن متشقق من الحواف كإنه اتفتح واتقفل آلاف المرات.

مد إيده ورفعه.
كان أتقل مما توقع.

قبل ما يفكر يفتحه، أمه رن. نغمة التليفون كسرت الرعب، لكن ماقللتش التوتر.
طلع الموبايل…
رقم غريب.

رد.

ماسمعش صوت… بس سمع نفس. نفس واحدة… أنثوية… قريبة جدًا من المايك.
وقال بحذر:

"مين؟"

بعد ثانيتين من الصمت، جاله صوتها… خافت… مكسور… لكن واضح:

"ليه رجعت دلوقتي يا أحمد؟"

قلبه وقع. صدمة… خوف… تساؤل.
مع إنه واثق إنه مايعرفش الصوت، لكنه حس بشعور غريب… كأنه يعرفه من زمان قوي.

لكن قبل ما يلحق يسأل، الخط اتقفل.

دق قلبه بسرعة غير طبيعية…
رجع يبص للصندوق اللي في إيده.
شعور داخله كان بيقوله إن كل ده مربوط… الصوت… الورقة… الغرفة… ليلة اختفاءه من سنين.

ولما حاول يفتح الصندوق بإيده، القفل اتحرك لوحده…
وفتح.

جواه كان فيه صورة…
صورة ليه هو.

لكن مش صورته الحالية…
صورته وهو ***، واقف جنب بنت صغيرة، مالامحها مش باينة.
وتحت الصورة مكتوب تاريخ…
وتحت التاريخ مكتوب جملة واحدة بخط مختلف عن الورقة الأولى:

"إحنا وراك… مهما بعدت."

كانت اللحظة دي تحديدًا اللي النور انقطع فيها عن الغرفة.

ظلمة تامة.

الهواء برد فجأة… وبرد لدرجة إن نفسه اتجمد في صدره.
حس بخطوات… بطيئة… متجهة نحوه من داخل الغرفة.

مش من الباب.

من جوّه.

من نقطة في الظلام مفيش فيها شيء غير سواد متحرك.

فجأة، حاجة شبه اليد لمست كتفه… خفيفة… لكن باردة لدرجة وجعت جلده.
وهو بيتراجع، سمع صوت هامس عند ودنه:

"مش كان المفروض ترجع يا أحمد… القصة دي—الخاصة بمنتديات نسوانجي—كان لازم تفضل مقفولة."

اتجمد.
مش من الجملة…
لكن من طريقة الهمس.

كأن الصوت يعرفه…
وأسوأ…
كأنه فاتح إيده وبيحضنه من الضلمة.

وبعدين، فجأة…
حد شدّه بعنف للخلف.

صرخة مكتومة خرجت منه وهو بيقع على الأرض، والصندوق وقع جنبه واتقفل لوحده.
الخطوات زادت… وبقت حواليه.
وفي لحظة، النور رجع من غير مقدمات.

الغرفة… فاضية.
تمامًا.

ولا في أي أثر لحد.

ولا في أي صوت.

ولا حتى ريحة العطر.

كأن كل اللي حصل كان هلوسة…
لكن الصورة اللي لسه في إيده قالتله إن كل ده حقيقي.

الغريب… إن بنت الريسيبشن كانت واقفة عند الباب…
وشكلها مرتبك، كأنها سمعت صراخه.

وقالتله بصوت مرعوب:

“إنت… إنت ازاي جوه؟
الغرفة دي… محدش بيفتحها.”

سألها بضيق نفس:

“ليه؟”

ردت بعد تردد:

“عشان… آخر حد دخلها… اختفى.”

غمض أحمد عينه لحظة…
مش بيصدق اللي بيسمعه.
ولما فتحها، قال لها بهدوء مرعب:

“آخر حد دخلها…
أنا.”

كانت البنت واقفة في الباب مرعوبة، لكن خوفها ماكانش من اللي شافته…
كان من اللي "حست" بيه. كأن الغرفة بتتنفّس.
أحمد وقف قدّامها، ماسك الصورة، وملامحه جامدة، بس جواه كان في حالة غريبة… مزيج بين خوف… وراحة… وإحساس إنه رجع لحاجة كانت ناقصة منه.

البنت قالت له بصوت مكسور:
"حضرتك… لو سمحت… لازم تخرج. الغرفة دي مش للناس العاديين."

نظر لها بنظرة باردة وقال:
"وأنا… شكلي إيه؟"

ماقدرتش ترد.
هي حست إنه مش واحد من النزلاء العاديين… مش بعد اللي حصل.
مش بعد الصرخة اللي سمعتها…
ولا بعد ما لقته واقف في مكان المفروض إنه مقفول من سنين.

ورغم كده…
ماتجرأتش تقوله يخرج مرة تانية.

أحمد بدأ يمشي ناحية الباب، لكن قبل ما يعدّي، حسّ إنه حد وراه…
حد واقف في الركن اللي كانت فيه الظلمة من ثواني.
لف بسرعة…
الغرفة فاضية.

لكن…
الستارة اتحركت حركة خفيفة…
زي نفس ضعيف خرج من وراها.

مكدّبش إحساسه.
قرب…
مسك الستارة…
فتحها.

الشباك مقفول.
مفيش حد.

بس صباعه لمس حاجة على الإطار…
كأنه أثر لمسة…
أثر بارد جداً…
أبرد من خيال.

حسّ بيها.
عارفها.

كانت لمسة نفس البنت اللي كلمته في التليفون.

خرج من الغرفة، والبنت قفلت الباب بسرعة، كأنها خايفة إن حاجة تهرب منه.
وبمجرد ما قفلته…
الباب ارتجّ اهتزاز خفيف…
مرة.
مرتين.

كأن "شيء" جوّا…
رافض إنه الباب يتقفل عليه.

البنت جرّت أحمد ناحية الاستقبال، صوتها متوتر:
"حضرتك… مش المفروض تبقى هنا لوحدك."

سألها:
"ليه؟"

ردّت:
"الغرفة 313… اللي يدخلها… بيطلع منها نسخة تانية."

وقف مكانه.
الجملة وقعت في دماغه بقوة.

نسخة تانية.

بالظبط زي ليان… وزي الظل اللي شافه الليلة اللي فاتت.
كأن نفس القاعدة… نفس العالم… بيكرّر نفسه هنا بطريقة تانية.

البنت كملت وهي بتقرب صوتها:
"فيه نزيل… من 10 سنين… دخل الغرفة.
خرج بعدها بنص ساعة…
لكن مش هو."

سألها:
"يعني إيه مش هو؟"

ردت:
"كان شكله… صوته… كل حاجة.
لكن… أمه هي اللي عرفت إن دي نسخة.
لأن النسخة ماكنتش بتظهر في المرايا."

أحمد حسّ قلبه وقع.
الكلمة دي ضربت فيه مباشرة…
زي سهم.

ما بتظهرش… في المرايا.

بالظبط…
زي ليان.

سألها بحذر:
"والنزيل الحقيقي… راح فين؟"

البنت بصّت له بنظرة خوف صريح:
"اختفى… ومحدش شافه من يومها."

كان أحمد على وشك يسألها سؤال تاني، لكن التليفون رن تاني.
نفس الرقم الغريب.

ردّ…
المرة دي…
الصوت كان أوضح، أقرب، وأكتر توتر من قبل.

"أحمد… اطلع برا الفندق حالاً… لو سمحت… هو وراك."

قلبه اتقبض:
"مين؟"

الصوت تنفّس بسرعة… كأنها بتجري وهي بتتكلم:
"النسخة اللي طلعت من الغرفة.
هو… مش واقف قدّامك.
هو… وراك."

الكلمة الأخيرة دي خلت جسمه يتجمد.
ماتحركش.
ولا تنفّس.

البنت اللي في الريسيبشن هزّته بخوف:
"حضرتك… وشّك ليه اتغيّر كده؟"

مابصش لها.
مابصش لأي حد.

كان حاسس بوجود…
وجود تقيل…
ساخن…
قريب جدًا من ضهره.

حسّ…
أنفاس حدّ وراه.

قرب…
قرب قوي.

ببطء شديد…
لفّ رقبته نص لفة.

وشاف…
حد واقف فعلاً.

واقف كأنه كان دايب في الهواء… وظهر فجأة.

نفس طوله.
نفس هدومه.
نفس وشّه.
لكن…
من غير ملامح واضحة.
وشّ شبه ممسوح…
عيون سودا…
ونفس الابتسامة اللي شافها عند المرآة في البيت.

النسخة بتاعته.

وقالت النسخة بصوت مش صوت…
صوت جاي من جوّا:

"اتأخرت."

الريسيبشن اتفزعت وصرخت.
أحمد اتراجع خطوتين.
النسخة مشيت خطوة قدامه.

وهمس:
"رجوعي… بداية اختفاءك."

أحمد اتنفس بعمق…
ورغم الخوف…
رغم الرهبة…
قال بأقوى صوت قدر عليه:

"هي عايزة الحقيقة…
وأنا هعرفها."

النسخة ضحكت ضحكة خافتة…
ضحكة باردة زي الحديد لما يتكسر.

وقال له:

"الحقيقة…
إن في نسخة تالتة.
ولسه ما ظهرتش."

وقبل ما يسمع تفسير…
النور قطع.
الهواء سخن.
والدنيا كلها بقت سودا.

والنسخة…
اختفت.

لكن ف ودنه…
سمع نفس الصوت الأنثوي الهامس يقول:

"أحمد… ماتصدّقهوش.
النسخة التالتة…
هي أنت."

الظلام ما استمرش كتير، لكنه كان كفاية إنه يسيب أثره جواه. لما النور رجع، كان أحمد واقف لوحده في نص الردهة، الريسيبشن فاضية، والمكان كله ساكت كأن الفندق أخد نفسًا طويلًا وقرّر يكمّل ولا كأن حاجة حصلت.

لكن أحمد ماكانش زي قبل.

الجملة اللي سمعها لسه بتلف في دماغه وتخبط في كل فكرة عنده:
النسخة التالتة… هي أنت.

حاول يضحك بس الضحكة ما طلعتش.
لو فيه نسخة أولى، ونسخة تانية، ونسخة تالتة… يبقى في حاجة أكبر بكتير من غرفة، أو فندق، أو حتى ليان.

طلع برا الفندق، والهواء اللي لف وشه كان دافي زيادة عن اللزوم، كأن الدنيا برّه مش نفس الدنيا اللي كان فيها من شوية. الشارع فاضي، العربيات قليلة، والأنوار باهتة. كل حاجة شكلها طبيعي… زيادة عن الطبيعي.

مشى كام خطوة، وبشكل لا إرادي بصّ على واجهة محل فيها زجاج عاكس.
شاف نفسه.

وقف.
ركز.

انعكاسه كان بيتحرّك معاه… عادي.
بس عينيه؟
فيها حاجة غريبة.
نظرة كأنه شايف نفسه من برّه، مش من جوّه.

رجع افتكر ليان.
اللي ما كانتش بتظهر في المرايا.
والنزيل اللي خرج نسخة.
والصورة اللي لقاها في الصندوق.

إيده راحت على جيبه.
الصورة لسه هناك.

طلعها وبصّ لها تحت نور الشارع.
هو ***… جنب بنت.
البنت دي ملامحها كانت أوضح دلوقتي.

ليان.

بس مش ليان اللي شافها.
دي ليان أصغر… أنضف… إنسانية أكتر.

بلع ريقه.
الذاكرة بدأت تتحرك.

افتكر بيت قديم.
افتكر مراية كبيرة في صالة واسعة.
افتكر صوت أنثوي بيقوله:
«ما تبصّش.»

افتكر نفسه ***… لمس المراية.

شهق فجأة، كأن حد ضربه في صدره.

النسخة التالتة…
مش هو دلوقتي.

النسخة التالتة…
هي اللي فضلت هنا من زمان.

رجع الفندق من غير ما يحس.
واقف قدّام باب الغرفة 313 تاني.
الباب مقفول… بس القفل بيتحرّك لوحده.

حط إيده على الباب، وصوت ليان جه واضح المرة دي، مش همس:
«أنت فاكرني؟»

قال بصوت واطي:
«أيوه… افتكرت.»

الباب اتفتح ببطء.

الغرفة كانت مختلفة.
أنضف.
أوسع.
والمراية سليمة… كاملة.

ليان كانت واقفة قدّامها.
المرة دي… انعكاسها موجود.

بصّت له وابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:
«دلوقتي بس… نقدر نكمّل.»

قرب منها خطوة.
قال:
«نكمّل إيه؟»

ردّت بهدوء يخوّف:
«القصة اللي بدأت زمان… واتقفلت بالغلط.»

ولما أحمد بصّ في المراية…
شاف *** واقف وراه.
الطفل رفع عينه وبصّ له.

ونفس الصوت اللي سمعه في الظلام قال:
«أهلاً بالنسخة الأخيرة.»

الطفل اللي في المرآة ماكانش بيبتسم، وماكانش مخضوض، كان واقف ثابت بشكل يخوّف، كأنه مش *** أصلاً، كأنه فكرة اتجسدت. عينه كانت أوسع من الطبيعي، وفيها نظرة معرفة أقدم من سنّه بكتير. أحمد حسّ إن صدره اتقل، وكأن الذكريات اللي حاول سنين يدفنها قررت تطلع دفعة واحدة.

قرب خطوة من المرآة، وصوته طلع مبحوح:
«إنت مين؟»

الطفل ما ردّش، لكن ليان اتحركت بهدوء ووقفت جنبه، قربها المرة دي ماكانش خوف، كان شبه طمأنينة غريبة. قالت بصوت هادي جدًا:
«ده أنت… بس النسخة اللي ما خرجتش.»

أحمد لفّ لها بسرعة، عينيه مليانة رفض:
«مستحيل.»

ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة حدّ عارف الحقيقة ومش مستني تصديق:
«فاكر اليوم اللي اختفيت فيه ساعتين وإنت صغير؟ اليوم اللي قالوا لأمك إنك كنت بتلعب عند صحابك؟»

الهواء اتسحب من رئته.
اليوم ده…
اليوم اللي دايمًا كان فاضي في دماغه.

المراية نورت نور خفيف، مش قوي، بس كفاية يوضح المشهد أكتر. شاف نفسه *** واقف قدّام المراية، إيده ممدودة، وليان الصغيرة واقفة جنبه بتبص بخوف. شاف اللحظة اللي لمس فيها الزجاج… اللحظة اللي العالم اتشق فيها من غير صوت.

ليان كملت وهي بتبص للنسخة الطفلة:
«أنت خرجت…
وهو فضِل.»

الطفل أخيرًا اتحرك. رفع إيده ولمس الزجاج من الناحية التانية، نفس الحركة اللي أحمد فاكر إنه عملها زمان. الإحساس رجع له فجأة… نفس البرودة، نفس الخدر، نفس الإحساس إنه بيتسحب لجوه حاجة أوسع من الدنيا.

قال أحمد بصوت واطي:
«وعشان كده… المرايات؟»

هزّت ليان راسها:
«المرايات مش بتكذب. هي بس بتوري اللي مستخبي.
أنا اتعلّقت هنا عشان حاولت أطلعك.
وإنت عشت حياتك… ناقص.»

الطفل بصّ لأحمد نظرة مباشرة، نظرة خلت جلده يقشعر، وقال بصوت هادي جدًا، صوت *** بس معناه تقيل:
«دوري.»

الكلمة وقعت زي حجر.

أحمد حسّ إن الاختيار بيتفرض عليه من غير ما حدّ يقوله اختار. يا إمّا يكمل حياته زي ما هي، ناقصة، وفيه نسخة منه محبوسة في عالم بين المرايات… يا إمّا يدخل ويواجه حاجة مش عارف نهايتها.

بصّ لليان، كانت عينيها ثابتة عليه، فيها خوف بس فيها أمل.
قالت:
«مش لازم ترجع زي ما كنت…
بس لازم تبقى كامل.»

مدّ إيده ناحية المرآة.
المرة دي، الزجاج ماكانش صلب.
كان دافي… لين… كأنه سطح مية ساكنة.

قبل ما يلمسه بالكامل، سمع صوت وراه، نفس الصوت اللي طارده من الأول، صوت النسخة المظلمة:
«لو دخلت… مش هتطلع لوحدك.»

أحمد ما لفّش.
قال بثبات:
«ولا عمري كنت لوحدي.»

ولمس المرآة.

العالم اتقلب في لحظة. مش سقوط، مش انتقال، إحساس أشبه إنك بتفتكر كل حاجة نسيتها في ثانية واحدة. شاف شوارع، غرف، وجوه، مرايات كتير… وكل مراية فيها نسخة مختلفة منه. نسخ غضبانة، نسخ ضعيفة، نسخ هربانة.

وفي النص…
الطفل.

الطفل قرّب منه، ومدّ إيده، ولمرة أولى ابتسم.
ابتسامة صغيرة، بريئة، بس موجعة.

ليان ظهرت جنبه، وشكلها بقى أوضح، أكتر إنسانية.
قالت:
«أول ما تمسك إيده…
مش هتبقى نفس الشخص.»

أحمد مسك إيد الطفل.
والدفا اللي حسّه المرة دي كان حقيقي.

في اللحظة دي، كل المرايات اتشققت، مش اتكسرت، كأنها بتسيب اللي جواها يطلع.
والصوت الأخير اتردد في المكان كله:
«الاختيار اتاخد.»

ولما أحمد فتح عينه…
كان واقف قدّام مرآة واحدة بس.
انعكاسه كامل.
هادئ.
وعينيه فيها حاجة جديدة… حاجة ما كانتش موجودة قبل كده.

ليان كانت واقفة جنبه، ابتسمت وقالت:
«دلوقتي نقدر نعيش… مش نستخبى.»

لكن قبل ما يرد، لاحظ حاجة خلت قلبه يدق أسرع.
في طرف المرآة…
شق صغير…
وكأنها لسه ماقفلتش بالكامل.

ومن جوّه الشق…
عين سودا بتراقب.

لسه في نسخة.
لسه في حكاية ما خلصتش.

الشق الصغير في طرف المرآة ماكانش بيكبر، لكنه كان واضح… واضح لدرجة إن أحمد حسّ إنه شايفه من قبل ما يركّز. عين سودا، ساكنة، بتبص من غير رمش، من غير تعبير. مش عين غضبانة… ولا شريرة. عين مستنية.

ليان لاحظت تغيّر ملامحه قبل ما يتكلم. قربت خطوة وبصّت لنفس المكان، ولما شافت العين، وشّها شحب، وكأن كل الشجاعة اللي كانت واقفة عليها اتسحبت مرة واحدة.

قالت بصوت واطي:
«لسه ما خلصناش.»

أحمد ما بعدش عينه عن المرآة.
قال بهدوء غريب:
«مين ده؟»

سكتت ثواني، وكأنها بتختار كلامها بعناية.
وبعدين قالت:
«ده… اللي بيعدّي.
مش نسخة… ولا حارس.
هو الحاجة اللي بتتأكد إن ولا عالم يقفل على الآخر.»

العين اتحركت حركة بسيطة، بالكاد تُلاحظ، لكن كفاية تخلي القشعريرة تمشي في جسم أحمد.
الشق بدأ يطلع منه صوت… صوت احتكاك، كأن زجاج بيتحك على زجاج.

أحمد حسّ بحاجة بتشدّ ذاكرته، مش لمشهد واحد، لكن لسلسلة مشاهد قصيرة، متكسّرة. ناس بصّت في مرايات أكتر من اللازم. ناس حاولت تهرب من نفسها. ناس خرجت ناقصة… أو ما خرجتش.

قال:
«يعني هو السبب؟»

ليان هزّت راسها:
«هو النتيجة.»

المرآة بدأت تسخن. مش نار، لكن حرارة ضغط، كأن حاجة جوّاها بتحاول تطلع من غير ما تكسرها. العين قربت أكتر من الشق، وصوت دخل دماغ أحمد من غير ما يعدّي على ودانه.

«كملت… بس مش لحد الآخر.»

أحمد اتنفس بعمق.
قال:
«أنا رجّعت نفسي.»

الصوت ردّ بهدوء مزعج:
«رجّعت جزء.»

ليان قربت من أحمد، مسكت إيده. إيدها كانت ثابتة، بس أحمد حسّ إنها بتشدّ عليه كأنها بتستمد قوة.
قالت:
«لو خرج… مش هيأذيك لوحدك.
هيفتح شقوق في كل مراية اتقفلت غلط.»

العين اتحركت فجأة، والمرآة كلها اهتزت. صوت تكسير خفيف انتشر في المكان، مش تكسير فعلي، لكن صوت وعد بالكسر.
أحمد لفّ لليان وقال:
«إيه المطلوب؟»

بصّت له، ونظرتها كانت مليانة حاجة صعبة… خليط بين خوف واعتراف.
قالت:
«لازم حدّ يفضل.»

الجملة وقعت تقيلة.

قال بسرعة:
«مين؟»

ما ردّتش.
بس عينها قالت كل حاجة.

أحمد ضحك ضحكة قصيرة، مش سخرية، ضحكة حدّ فهم اللعبة متأخر شوية.
قال:
«عشان كده كنتِ معايا من الأول.»

ليان قربت أكتر، وقفت قدامه مباشرة.
قالت بصوت مكسور لأول مرة:
«أنا كنت محبوسة.
دلوقتي بقيت حارسة.
بس المرآة دي… محتاجة توازن.
محتاجة حدّ من جوّه وحدّ من برّه.»

العين صرخت.
مش صرخة ألم… صرخة استعجال.

الشق كبر شوية، والهواء اتغير، بقى تقيل، مليان توتر.
أحمد حسّ إن المكان كله مستني قراره.

قال بهدوء:
«وأنا؟»

ليان بصّت له نظرة طويلة، نظرة وداع من غير ما تقول وداع.
قالت:
«إنت تقدر تمشي…
أو…
تختار إنك تفضل كامل، حتى لو تمن ده إنك تسيب العالم اللي برّه.»

أحمد لفّ وبصّ في المرآة.
شاف نفسه.
كامل فعلًا.
لكن وراه… شاف ناس كتير، انعكاسات بتتحرك، بتتألم، بتستنى حدّ يعمل الصح.

الصوت رجع تاني، أهدى من الأول:
«قرار واحد…
ويقفل كل حاجة.»

أحمد شدّ على إيد ليان.
قال:
«لو أنا فضلت… إنتِ هتطلعي؟»

ليان دموعها لمعت، بس ما نزلتش.
قالت:
«حدّ لازم يعيش… وحدّ لازم يراقب.»

العين قربت أكتر، وبقت شبه كاملة في الشق.
المرآة بدأت تتشقق فعليًا.

أحمد أخد نفس طويل…
وقال الجملة اللي غيّرت كل شيء:

«يبقى نغيّر القاعدة.»

وفي اللحظة دي…
مسك إيد ليان، ومدّ الإيد التانية ناحية المرآة.

الصوت صرخ:
«ممنوع—»

لكن الوقت كان خلص.

المرآة انفجرت نور…
مش كسر… نور.

والعين…
اتسحبت لجوه فجأة.

المكان كله اتجمّد.
صمت كامل.

ولما النور بدأ يهدى…
كان فيه سؤال واحد بس باقي:

مين خرج؟
ومين فضِل؟

النور ما اختفاش مرة واحدة، كان بيهدى تدريجي، كأنه بيقفل جرح كبير براحة. أحمد حسّ إن الأرض ثابتة تحته، وإن الهوا رجع طبيعي، بس قلبه كان بيدق تقيل… دقّات حدّ مستني يشوف النتيجة.

فتح عينه.

كان واقف قدّام مرآة واحدة بس.
مرآة عادية.
مفيهاش شقوق، مفيهاش عين، مفيهاش انعكاسات غريبة.

بصّ فيها.

شاف نفسه.

نفس الوش، نفس الملامح، بس النظرة مختلفة. نظرة حدّ شاف أكتر مما المفروض يتشاف، وحدّ قرّر يعيش بالحقيقة دي.

لفّ حواليه.

الغرفة كانت فاضية.

لا ليان.
لا نور.
لا أصوات.

خرج من الغرفة بهدوء. الفندق كان طبيعي، ناس بتعدّي، موظفين بيتكلموا، ولا كأن اللي حصل كان أكتر من وهم. عدّى من جنب الريسيبشن، البنت بصّت له وابتسمت ابتسامة عادية، مافيهاش خوف، مافيهاش توتر.

سألها بهدوء:
«الغرفة 313؟»

ردّت باستغراب:
«مفيش غرفة بالرقم ده يا فندم.»

خرج برا الفندق. الشمس كانت طالعة، والشارع مليان حياة. الدنيا كمّلت، زي ما دايمًا بتكمّل، حتى لو حدّ اتغيّر جواها.

مشى شوية، وبلا وعي وقف قدّام واجهة زجاج كبيرة. بصّ لانعكاسه مرة كمان. رفع إيده، انعكاسه رفع إيده. ابتسم، الانعكاس ابتسم.

لكن…
للحظة صغيرة جدًا…
لمح حاجة.

مش عين سودا.
ولا شق.

لمح ليان.

كانت واقفة وراه في الانعكاس، مش حزينة، مش محبوسة. واقفة بثبات، لابسة أبيض، وشّها هادي. بصّت له وابتسمت ابتسامة أخيرة.

قالت من غير صوت:
«الاتزان اتحقق.»

لفّ بسرعة.

ما كانش في حد.

بس الإحساس…
إحساس إن حدّ بيراقب مش عشان يأذي…
عشان يحمي.

كمل مشيه.

وفي عالم تاني، ورا مرآة ما بقتش بتتشقق، ليان كانت واقفة قدّام انعكاسات كتير، انعكاسات هادية، مستقرة. مفيش صراخ، مفيش نسخ هاربة. بس عيون مفتوحة… بتتعلّم.

مدّت إيدها ولمست سطح المرآة.
قالت بهدوء:
«الدور عليكوا دلوقتي.»

المرآة ما ردّتش.
ما احتاجتش ترد.

وفي العالم الحقيقي، أحمد دخل بيته، وقف قدّام مرآته لأول مرة من غير ما يخاف. بصّ لنفسه، وقال بصوت واطي:

«أنا هنا.»

والمرآة…
فضلت مرآة.

النهاية.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
نسوانجي كام أول موقع عربي يتيح لايف كام مع شراميط من أنحاء الوطن العربي
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 
قم بتسجيل الدخول أو التسجيل لمشاهدة هذا الرد.
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى أسفل
0%